ارشيف من : 2005-2008
الخصائص البنيوية لدولة الإسلام:"التاريخ" و"القبلة" و"الجمعة" نموذجاً
سائدة في المجتمع الجاهلي، وسن سلسلة من النظم الدينية والاجتماعية، لتشكل مجتمعةً الخصائص والمرتكزات البنيوية المؤسسة لدولة الإسلام ونظامها الديني والاجتماعي المتكامل، لتتمايز بتلك الخصائص والنظم عن غيرها من الكيانات القائمة، وأعرافها الدينية وغير الدينية، أو عن أتباع تلك الكيانات، مع لحظ عدم المس بتشريعاتها ونظمها، وترك الحرية لأتباعها بالعمل وفق ما تقتضيه تشريعاتهم، وكان من أبرز تلك النظم والتشريعات الجديدة، عدة محطات، تمثلت بعدد من العناوين، ومنها: العمل وفق تاريخ جديد هو التاريخ الهجري، والصلاة الى قبلة جديدة هي الكعبة المشرفة، واتخاذ يوم جديد مميز، هو يوم الجمعة من كل أسبوع.
التاريخ الهجري
لقد شكلت الهجرة النبوية من مكة المكرمة الى المدينة المنورة منعطفاً تاريخياً هاماً في مسيرة الدعوة المحمدية الى الإسلام، وكان لهذه الهجرة بُعدان، أحدهما تأسيسي، والآخر معنوي، حيث كانت الهجرة منطلقاً لاتساع نطاق الدعوة النبوية، وبناء دولة الإسلام، وفتح مكة. أما البعد المعنوي فهو ارتكز الى هذه الهجرة في التأسيس لبدء التاريخ الإسلامي، حيث كانت الهجرة منطلقاً لتسمية هذا التاريخ باسمها، لما لها من فضل في سياق بناء مداميك دولة الإسلام، التي أسس لها نبي الرحمة محمد (ص)، وجعل لها نظامها الخاص، الديني والاجتماعي، وقد كانت هجرة النبي (ص) من مكة الى المدينة لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول، واتخذ هذا التاريخ لبدء السنة الهجرية، ثم رُدَّ بعد حين الى الأول من شهر محرم.
القبلة
خضعت مسألة تغيير القبلة، من المسجد الأقصى الى المسجد الحرام، لتدبير إلهي، ذُكرت قصته في القرآن الكريم، في عدد من الآيات من سورة البقرة، حيث كان اعتماد المسجد الأقصى قبلة للمسلمين امتحاناً لهم لأن هواهم كان الى مكة "وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتَّبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه"، وجاء في تفسير الآيات التي تحدثت عن مسار تحويل القبلة، عن الإمام الصادق (ع): تحولت القبلة بعدما صلى النبي (ص) ثلاث عشرة سنة الى بيت المقدس، وبعد مهاجرته الى المدينة صلى الى بيت المقدس سبعة أشهر، قال: ثم وجَّهه الله الى مكة، وذلك أن اليهود كانوا يعيرون على رسول الله (ص) يقولون: أنت تابع قبلتنا، فاغتم رسول الله من ذلك غماً شديداً، وخرج في جوف الليل ينظر الى آفاق السماء، ينتظر من الله أمراً في ذلك، فلما أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بني سالم، وقد صلى من الظهر ركعتين، فنزل جبرائيل فأخذ بعضديه وحوله الى الكعبة، وأنزل عليه: "قد نرى تقلُّب وجهك في السماء فلنولِّينك قبلة ترضاها فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام".
ولا يخفى أن مسألة التوجه الى القبلة لا تنحصر فقط بالصلاة، إنما تتعداها الى أمور أخرى كالذباحة، وتسجية الميت، فضلاً عن عدم جواز استقبالها أو استدبارها في بعض الحالات (الخلاء)، ويضاف الى كل ذلك التوجه العام للمسلمين على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم أثناء الصلاة، الى نقطة واحدة مركزية هي الكعبة المشرفة، حيث تلتقي عليها قلوبهم، وتتوحد أفكارهم، وتجتمع كلمتهم.
يوم الجمعة
أما المصداق الثالث من مصاديق خصائص دولة الإسلام، فهو يوم الجمعة المبارك، الذي اختصه الله تعالى بالفضل الكبير على سائر الأيام، ودعا في محكم كتابه الى المبادرة للصلاة فيه، وترك حوائج الدنيا أثناءها، فقال تعالى في سورة الجمعة: "يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا الى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون"، وقد ذكرت السنة الشريفة الكثير من الأحاديث عن فضل يوم الجمعة وليلته، ومنها: عن النبي (ص) قال: إن ليلة الجمعة ونهارها أربع وعشرون ساعة، لله عز وجل في كل ساعة ستمئة ألف عتيق من النار، وعنه أيضاً: إن يوم الجمعة سيد الأيام، يضاعف الله عز وجل فيه الحسنات ويمحو فيه السيئات ويرفع فيه الدرجات ويستجيب فيه الدعوات ويكشف فيه الكربات ويقضي فيه الحوائج العظام. أما مِسْكُ يوم الجمعة فبما جاء في الحديث عن الإمام علي (ع) حيث قال: إن الله اختار الجمعة فجعل يومها عيداً.
إن يوم الجمعة الذي اختص بهذا الفضل، لهو يوم مبارك للمسلمين، ففيه أمروا بالغُسل والتطيب ولبس أفخر الثياب، والصلاة لوقتها وترك البيع أثناءها، وتلاوة القرآن، والصدقة، والتوسعة على العيال، والتفرغ لتعلم أحكام الدين، وزيارة الأموات وخاصة الأبوين، الى ما هنالك من أمور دينية واجتماعية تجعل من هذا اليوم يوم فرح وسرور للمسلمين.
لقد شع ضياء الإسلام على يد نبي الرحمة محمد (ص) من قلب مكة، وامتد ليعم العالم بأسره، فتشرف بهذا الضياء الزمان والمكان، فكانا محطات خير وبركة للمسلمين: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
عدنان حمّود
الانتقاد/ نقطة حبر/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018