ارشيف من : 2005-2008

العبادة بمعناها الحقيقي

العبادة بمعناها الحقيقي

الاستقرار النفسي والاجتماعي للفرد والمجتمع.‏

العبادة في حقيقتها تعني الطاعة، وهي مشتقة من العبودية، وأصل العبودية الذل والخضوع. والعبادة غاية التذلل والتخضع، وهي حق لله وحده سبحانه.‏

هي الخضوع الكلي والانقياد المطلق لإرادة الله سبحانه بكل عمل اختياري يصدر من المكلف بإرادته واختياره، سواء كان عملاً باطناً كالتفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، أو كان عملاً ظاهراً وموقفاً خارجياً كسائر الأعمال والمواقف اليومية. وبهذا المعنى اعتبرت العبادة الغاية من خلق الله سبحانه الإنسان حيث قال: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون". وبهذا فالحياة كلها عبادة، والعمر كله عبادة. قال تعالى: "قُلْ إِن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين".‏

وبهذه الصورة للعبادة ـ وفي أعلى مراتبها بالطبع ـ حصلت معجزة الإسراء العظيمة تشريفاً من الله لنبيه محمد(ص). وقد حصلت باسم "عبده" دون سائر الصفات البشرية، والصفات النبوية التي كان النبي يتحلى بها. ولم تحصل لمجرد إتيانه(ص) أو قيامه بأداء "الفرائض العبادية" كالصلاة والزكاة والخمس والصوم والحج على الوجه المطلوب، وإن شئت قل: على الوجه الأكمل.. قال تعالى: "سبحان الذي أَسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأَقصى الذي باركنا حوله لنرِيه من آياتنا إنه هو السميع البصيُ".‏

فالعبودية لله تعني التزام الفرد بطاعة الله ليس فقط على مستوى ذاته، بل وعلى مستوى علاقاته الاجتماعية أيضاً. فإن الالتزام الحقيقي بالطاعة يجب أن يكون له مردوده الاجتماعي على ساحة الواقع ليتحقق التوازن الاجتماعي، وافتقاد هذا المردود يعني افتقاد حقيقة العبودية.‏

ومن هذا المنطلق فإن العبادة ليست مجرد سلوك فردي يمارَس في عزلة عن المجتمع، وإنما هي سلوك معنوي واجتماعي، وسلوك سياسي ونفسي، وسلوك حسي واقتصادي.. وهذه هي جوانب العبادة الأساسية، وليست العبادة بتلك الصورة الساذجة التي حصرت الأعمال العبادية في حدود "الفرائض العبادية"، الأمر الذي جعل الدين قسمين: عبادات ومعاملات.‏

وتقسيم الدين إلى عبادات ومعاملات أفقد العبادة مضمونها وحوّلها إلى مجرد شعائر تقليدية لا أثر لها في واقع الناس.‏

وفي الواقع إن جميع أحكام الدين وتعاليمه هي عبادات، فهي جميعها تدخل في دائرة الأوامر والتوجيهات الإلهية الواجب إطاعتها وتنفيذها. وإن الإخلال بأي من هذه الأحكام والتعاليم هو إخلال بالعبودية لله سبحانه.‏

يقول الشهيد السيد محمد باقر الصدر(رض): لم تختص العبادة بأشكال معينة من الشعائر ولم تقتصر على الأعمال التي تجسد مظاهر التعظيم لله سبحانه وتعالى فقط، كالركوع والسجود والذكر والدعاء، بل امتدت إلى كل قطاعات النشاط الإنساني. فالجهاد عبادة، وهو نشاط اجتماعي مالي أيضاً.. والصيام عبادة، وهو نظام غذائي.. والوضوء والغسل عبادتان، وهما لونان من تنظيف الجسد..‏

وهذا الشمول في العبادة يعبر عن اتجاه عامّ في التربية الإسلامية يستهدف أن يربط الإنسان في كل أعماله ونشاطاته بالله تعالى، ويحول كل ما يقوم به من جهد صالح إلى عبادة مهما كان حقله ونوعه.‏

ومن أجل إيجاد الأساس الثابت لهذا الاتجاه، كانت "الفرائض العبادية" ـ وهي المسماة "العبادات" في مصطلح الفقهاء ـ ترويضاً لروح المتعبد وترسيخاً لإيمانه. إذ إنه بقدر ما يقوى الإيمان في نفس المكلف يقوى التزامه بخط الشريعة وتطبيق أحكامها مهما كان صعبا وشاقا. فما دام المؤمن على صلة بالله سبحانه فكريا وروحيا ونفسيا عبر تلك العبادات المعهودة، وخصوصا الصلاة منها، فإنه يبقى على صلة به بكل تصرفاته الاختيارية. فيسبغ روح العبادة على كل نشاطاته الصالحة وروح المسجد على مكان عمله في المزرعة أو المصنع أو المتجر أو المكتب، وهذا هو روح العبادة بمعناها العام.‏

وهكذا أفهمت الشريعة الإنسان بأن الفارق بين المسجد الذي هو بيت الله وبيت الإنسان ليس بنوعية البناء أو الشعار، وإنما استحق المسجد أن يكون بيت الله لأنه الساحة التي يمارس عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به هدفاً أكبر من المنافع المادية المحدودة. وإن هذه الساحة ينبغي أن تمتد وتشمل كل مسرح الحياة، وكل ساحة يعمل عليها الإنسان عملاً يتجاوز فيه ذاته ويقصد به ربّه والناس أجمعين، فهي عبادة حقاً وتحمل روح المسجد.‏

الانتقاد/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06