ارشيف من : 2005-2008

… لفلسطين أصلب الرجالِ

… لفلسطين أصلب الرجالِ

يستشرف مآل حركته أيضاً. كان يتحدث عن قانون إلهي في معادلة الإخلاص والاستعداد، كان هو أفضل من يفهم هذه المعادلة، وهو الذي خبر السجن عند الإخوة والأعداء، وخبر النفي والطرد والاقتلاع من الجذور. وهو الذي عرف معنى ان يكون الإنسان على حافة الوطن حيث هو على حافة الاستشهاد.‏

أبو إبراهيم "عز الدين الفارس" فتحي الشقاقي، اسماء لحلقة في السلسلة الذهبية الممتدة من فجر التاريخ تضم المختارين من الأصفياء (ولا نزكي على الله أحداً) الذين يعرفون أن الشهادة هي اقصر الطرق الى الله والى الحرية، ويقولون للدم انت الطريق الى النصر.‏

كان ابو ابراهيم رجلا نذر النفس لتحرير بلاده المقدسة، وظل رجلا حتى لحظة الصدق الاستشهادية، حينها صار جزءاً من فلسطين. له منها شرف الانتماء، ولها منه شرف التضحية، له منها لحظة الولادة ولها منه عظمة الانصهار في وجدانها، لم ينم في أحضانها الى يوم البعث، لكن سيبعث ماشيا اليها كعهده دائما. أقدم حين أحجم الكثيرون، وشهر سيفه حين أغمده آخرون، قال "لا" حين صافح اليائسون.‏

عرفناه في بيروت في زمن كانت قد جفّت فيه شعلة العناد. جاء كساقي العطاشى ليقول لنا: "ما زال في الامر جهاد، لم ينته الأمر بعد، ولن ينتهي كما يريدون، لن يصغر حجم فلسطين! لن يكون لليهود حدود! نهر الشهادة ما زال جاريا وفي البال الف قصيدة حب لفلسطين لن تكتب الا بالدم"!.‏

في ذلك الحين كانت قد شتت بعض الأفكار، واحتار كثيرون بل يئسوا، وظنوا بالأمة الظنون!!‏

أطل علينا ولمعة عينيه كقبة الصخرة، وصوته الرخيم كأذان الفجر في الأقصى!‏

قال لنا: "في فلسطين رجال لا تلهيهم مفاوضات عن الاستشهاد، ولن يعرف الغاصب الأمن حتى الوعد الحق"!‏

حين عرض لنا فيلماً عن رجال الجهاد في فلسطين، أسال الدم الذي جمدته طعنات الغدر في العروق، نحن "الأحرار"!! في الخارج خبأنا السلاح، وهم "السجناء"!! في الداخل على أهبة الاستعداد!! رحمه الله .. طرد من قلوبنا القنوط.‏

أفرحه الله حيث هو كما أفرحنا حينها، لم نشك لحظة أنه على درب الشهادة! لم يشأ لحظة أن يحتمي خلف حرس أو أسوار، كان يكره الضجيج والإجراءات الأمنية.‏

لم يغادرنا الا وقد ذاق ما ذقنا من الحصار وهو المعتاد عليه، سافر الى ليبيا المحاصرة ليفك "حصارها" للاجئين في حماها، فرصده المجرمون وحيدا غريبا في مالطا.‏

جمع في استشهاده كل مأساة شعبه الفلسطيني: الغربة .. غدر الشقيق.. خذلان الحليف .. شماتة العدو. لا ننسى مشهد جسده الطاهر على قارعة الطريق .. على أجنحة الملائكة .. كان كأمه فلسطين وقد نامت قبله على رصيف الغدر والخيانة..‏

فتحي الذي دعا الى طريق الشهادة ثم سار اليها بملء الإرادة والاختيار، لم يجرؤ الجبناء على المواجهة وجهاً لوجه.. جاؤوه غدرا كعادتهم من الخلف، وكان وجهه الى السماء.‏

أبا إبراهيم، فلسطين تفتقد بدرك في ليلتها المظلمة الجديدة .. فلسطين الذبيحة تشتكي أولاد رحمها يقتتلون فوق جرحها .. البندقية التي حدّدتَ وجهتها الى العدو أبدا، يتلاعب بها الصبية والروابض، أما ابناؤك فلم يغيروا، اعتزلوا متن المنصب والسلطة وآخر الشهر، وكأن كلامك لم يفارقهم: فلسطين أمكم .. كل شيء يرخص من أجل عينيها.. والبندقية أمانة الشعب في أيديكم فلا تقلقوا أمنه، والشهادة مهر لا بد للعاشق ان يدفعه.‏

أولادك لا يفارقون الثغور ولهم في كل معركة شرف "أجر" المشاركة في الوجهة الصحيحة.‏

"عز الدين الفارس" أبا إبراهيم، أخبار فلسطين لا تطمئن، لعل الله أراد أن يرفعك من سجن الدنيا الى جنته كي لا تشهد تفسخ الجلد الفلسطيني، وطفو الأحقاد على الأمجاد، ولعل الله أرادك أن تكون بين يديه صافياً من غير أدران العصبية والجاهلية والطمع الدنيوي.‏

يكفيك شرفاً أن ليس في سجلك إلا قتال العدو، وأن ليس في يمينك إلا سيف التحرير، وأنك لم تعرف تقلب المواقف وتغير الأزمان..‏

.. حق لنا أن نغبطك على رحيلك المبكر .. ولكننا لم ندرك الحكمة الا بعد زمن .. أراد الله أن تنجو بدينك من دنيانا، وبيمينك من يسرانا.‏

أبا إبراهيم .. قال الله تعالى إن الشهداء يسمعون .. اسمع:‏

"لا تخش على فلسطين فجلد جديد سينبت، وجيل جديد سوف يرسم الخاتمة..‏

لا تخش على المنهج، محفوظ بإذن الله، فما هو إلا ما أمر به .. لا تخش على الحركة فرجالها لا يختلفون عنك وعلى دربك سائرون .. على العهد باقون .. على الخط محافظون .. وبك لاحقون بإذن الله غير مبدلين ولا مغيرين..‏

ومعك نكمل الحديث بإذن الله ...".‏

الانتقاد/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06