ارشيف من : 2005-2008

كفر قاسم: نصف قرن على المجزرة... النفوس لا تنسى والذكريات تشتعل

كفر قاسم: نصف قرن على المجزرة... النفوس لا تنسى والذكريات تشتعل

عنه! لقد صبغت يديها باللون الأحمر "الدم"، ولن تحاول إزالته أبدا.‏

فمن قانا إلى القاع، ومن كفر قاسم إلى صبرا وشاتيلا، ومن مخيم جنين إلى شاطئ غزة، ومن ضاحية بيروت إلى بيت حانون، كلها معالم شاهدة على المجازر الصهيونية، التي يحاول الاحتلال جاهدا طمسها، وعدم إظهارها للعالم.‏

فقط نصف قرن... أبعدتنا عن مجزرة كفر قاسم التي ارتكبها الاحتلال الصهيوني بحق أطفال ونساء ورجال ينضحون عرقا في طريق عودتهم المسائي من أعمالهم، ولا ذنب لهم سوى فلسطينيتهم.‏

بدأت الرصاصات..‏

بدأت القصة عشية العدوان الثلاثي على مصر (حرب 1956)، عهدت قيادة الجيش الصهيوني إلى إحدى الكتائب مهمة المرابطة على الحدود الأردنية/ الفلسطينية، وألحقت بها وحدة حرس الحدود التي يقودها الرائد (شموئيل ملينكي)على ان يتلقى أوامره مباشرة من قائد الكتيبة (شدمي)، الذي أُعطي سلطات كاملة من ضمنها فرض منع التجوال ليلاً على القرى العربية: الطيبة وقلنسوة وبئر السكة وأبثان، وكفر قاسم.‏

وفي 29/10/1956، استدعى (شدمي) الرائد ملينكي الى مقر قيادته وأبلغه المهمات الموكلة إلى وحدته والتعليمات المتعلقة بطريقة تنفيذها. واتفقا على ان يكون حظر التجوال على القرى المشار اليها، من الساعة الخامسة مساءً حتى السادسة صباحاً، وطلب (شدمي) من (ملينكي) ان يكون منع التجوال حازماً ليس باعتقال المخالفين، وإنما بإطلاق النار عليهم، وقال له ان من الافضل قتيلا واحدا، وفي شهادة اخرى عدة قتلى بدلاً من تعقيدات الاعتقالات. وعندما سأل (ملينكي) عن مصير المواطن الذي يعود من عمله خارج القرية، دون ان يعلم بأمر منع التجوال قال شدمي: لا اريد عواطف، وأضاف بالعربية: الله يرحمه.‏

وتم بعد ذلك توزيع مجموعات الجيش الصهيوني على القرى العربية في المثلث. واتجهت مجموعه بقيادة الملازم (جبرائيل دهان) الى قرية كفر قاسم. وقد وزع دهان مجموعته الى أربع زمر رابطت إحداها على المدخل الغربي للقرية.‏

وفي تمام الساعة الرابعة والنصف من مساء يوم الاثنين 29/10/1956 قام العريف (يهودا زشتسكي) بإبلاغ مختار القرية (وديع احمد صرصور) بأمر منع التجوال. وعندما سأل المختار عن مصير أهالي القرية الموجودين خارجها والذين لم يعودوا بعد من أماكن عملهم؟ كان جواب العريف: سنهتم بهم.‏

وفي الساعة الخامسة مساء بدأت المذبحة عند طرف القرية الغربي، حيث رابطت وحدة (شالوم عوفر) على المدخل الرئيسي، فسقط (43) شهيداً. وفي الطرف الشمالي للقرية سقط (3) شهداء، وفي القرية سقط شهيدان.‏

شاهد على الدماء...‏

المواطن مصطفى عبد القادر صرصور (أبو ذياب) شاهد عيان على ما جرى في بلدته في الليلة السوداء تلك، يقول: "كان عمري (16) عاماً، كنا عائدين من العمل. خرجت إلى سوق الخضروات في بتيح تكفا فوجدت سيارة المرحوم الحاج محمود وسائقها جمعة رشيد بدير ومعهم محمود عبد الغافر ريان من (كفر برا)، ومصطفى عمر وصالح احمد خضر.‏

واصلنا المسير حتى رأينا الجنود يطلقون النار على الموجودين فأصيب اسعد الحِسِن عيسى (أبو فتحي) وشقيقه الشهيد عبد عيسى. رأيت الجثث ملقاة على الأرض فاستلقيت في السيارة. بعدها صرخ احد الجنود الذي أطلق النار على اسعد والعبد وقال: امشي قوام (اذهب من هنا بسرعة. الشهيد محمود عبد الغافر قال: ماذا يريدون منا؟ ولكنه ظل واقفاً، أطلق الجنود علينا النار ما أدى إلى خرق إطارات السيارة، ولكننا هربنا متوجهين إلى منزل دار بسوطة".‏

يتابع أبو ذياب "بقيت أنا وعمر الحاج وذهبت إلى دار جمعة الرشيد وبقيت فيها ثلاثة أيام حتى فك الطوق والحصار، عدت بعدها الى المنزل بعد أن اعتقد أهلي بأنني قد قتلت. ذهبت إلى مكان الحادث فرأيت دراجتي بعد ان اخترقتها الرصاصة ووصلت لمحمود عبد الغافر ورأيته قتيلاً، لن أنسى هذه الذكرى، سأخبر الشباب ماذا حدث؟ وسأظل اشرح واسرد قصتي على أهالي قريتي وأقربائي فلربما تغير الحال".‏

ولم يكشف النقاب عن المجزرة الا بتاريخ 13/11/1956م، اذ طلب (توفيق طوبي) عضو الكنيست بالتحقيق في الموضوع إلا أن المراقبة الشديدة على بروتوكولات الكنيست حالت دون نشرها.‏

وفي 20/11/1956 استطاع (ماير فلنر) و(توفيق طوبي) التسلل لقرية كفر قاسم وزارا بيوت القرية وتحدثا مع الجرحى وشهود عيان. وفي 23/11/1956م قاما بتوزيع نشرة سرية مطبوعة، تتضمن وقائع المجزرة وأسماء الضحايا، وزعت على أعضاء الكنيست ومختلف الشخصيات والهيئات والصحف في الكيان الصهيوني والخارج.‏

وعرفت المحكمة التي جرت للجناة وقتها بأنها صورية، حيث صدر الحكم بعد 22 شهرا، ولم تتعدّ الأحكام بالسجن أكثر من 15 عاما، ومن ثم أطلق سراح المرتكبين وخفف عن الآخرين، وكانت عقوبة العقيد "شدمي" وهو من كانت له الكلمة الأولى بإطلاق صافرة المذبحة، التوبيخ ودفع غرامة مقدارها قرش صهيوني واحد.‏

شاهد منهم...‏

وبهذا يقول دانيال شيمنس -أحد الجنود الذين نفذوا المجزرة-: "كنت في وحدة الملازم دهان، سرنا معه في سيارة جيب، وكان في الوحدة سائق والشرطيان إسماعيل عبد الرحمن، وسعيد زكريا شعبان الذي كان يحمل مدفعاً رشاشاً. وهما من أصل شركسي، وكان في سيارة الجيب آلة لاسلكية، وفي الساعة الخامسة والدقيقة العاشرة بعد الظهر شاهدنا عند مدخل القرية (3) من العرب فأمرناهم بالوقوف، وكان هناك أيضا ثلاثة أولاد وقد طردهم دهان من المكان. وقال لنا دهان اقتلوهم وقد أطلق هو نفسه النار على الرجال الثلاثة من مدفع رشاش عوزي، ونحن أيضا أطلقنا النار عليهم فسقط الثلاثة. أما نحن فقد واصلنا السير في سيارة الجيب ولم نطلق النار بعد ذلك، وقد سمعت دهان يعلن في بضع مرات في آلة اللاسلكي عن وقوع قتلى في القرية، إلا انه لم يحصل على أي جواب. وفي الساعة السادسة فقط تلقينا أمرا بوقف النار الا في حالة وقوع مقاومة أو هجوم".‏

وقد اعتادت حكومة الاحتلال على ارتكاب مجازر جماعية ومذابح ضد الأبرياء والأطفال العزل، وتتخذ أشكالاً متعددة لتحقيق أهدافها، فمن عمليات الاغتيال والتصفية الجسدية إلى المجازر والمذابح الجماعية، التي باتت أوسمة تُعلّق على صدور القادة الصهاينة وجنودهم.‏

ومنذ تلك المجزرة... استمرت المجازر الدموية والإنسانية والسياسية بحق فلسطينيي الأرض المحتلة عام 48، تلك السياسات التي تتوجها حكومة الحرب الصهيونية اليوم بالمصادقة على إشراك اليميني الصهيوني المتطرف أفيغدور ليبرمان فيها.‏

من اللافت لذاكرة لا تنسى.. أن ليبرمان هو ذاته الذي دعا في السابق إلى تهجير أو قتل كل عربي لا زال موجوداً في أرضه المحتلة عام 48، وهو ذاته أيضا الذي دعا إلى هدم السد العالي وتدمير الاقتصاد المصري إبان العدوان الثلاثي على مصر عام 56.‏

بالنسبة لأهالي كفر قاسم... الدماء ما زالت على الخنجر ساخنة، والنفوس لا تنسى، كما هتف آلاف الأطفال في ذكرى المجزرة...‏

الانتقاد/فلسطينيات/ العدد 1187 ـ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-06