ارشيف من : 2005-2008

إفريقيا: نحو الصين...

إفريقيا: نحو الصين...

الصيني الإفريقي الذي أبصر النور قبل ست سنوات، والذي يبدو، بالنظر إلى حجم المشاركة وطبيعة الاتفاقات الموقعة، أنه قد يشكل حدثاً ذا أهمية خاصة على مستوى الاستقطابات الاستراتيجية الدولية في المستقبل القريب.‏

شهدت القمة توقيع ما لا يقل عن 2500 اتفاقية اشتملت على ما لا يحصى من أوجه التعامل والتبادل الاقتصادي والتجاري التي يفترض أن ترفع من حجم التبادلات التي كانت قد بلغت أكثر من 40 مليار دولار، في العام الماضي. كما اشتملت الاتفاقيات على استفادة القارة الإفريقية من قروض صينية مخفضة الفوائد وائتمانات تفضيلية بقيمة خمسة مليارات دولار وعد الرئيس الصيني، هوجينتاو، بمضاعفتها عام 2009، ما يسمح بتوقع المزيد من التقارب الصيني الإفريقي، مع ما يجره ذلك من تداعيات جيوسياسية أكيدة.‏

ويأتي هذا التقارب في ظل تطورات تميزت، في ظروف خضوع إفريقيا، خلال القرون والعقود الماضية، للسيطرة الاستعمارية الأوروبية المباشرة، ثم للتحولات العميقة التي شهدها العالم في ظل تنامي أشكال الاستعمار الجديد، وتميزت بخروج القارة السوداء في حالة من الإنهاك والضعف النموذجيين: نزاعات حدود، حروب أهلية، فقر ناجم عن التدمير المقصود للبنى الاقتصادية التقليدية التي طالما تعززت بفضلها اقتصادات أوروبا، وأمراض في طليعتها الإيدز الذي بات يهدد بإبادة سكان العديد من بلدان جنوب الصحراء. وبالتوازي مع ذلك، فساد حكومي مستشرٍ أغرق أكثر بلدان القارة تحت ثقل المديونيات، وانسداد في آفاق العيش جعل الملايين من الأفارقة يقطعون الصحاري والبحار، مشياً على الأقدام، وسباحة، وبكل الوسائل الممكنة، للوصول إلى أوروبا...‏

وعلى الرغم من كل ذلك، فإن إفريقيا لا تزال تشكل مصدراً هاماً للعديد من المواد الأولية، بدءاً بالبن والكاكاو وانتهاءً بالنفط، بعد المرور باليورانيوم والماس والذهب والنحاس... كما أن إفريقيا لا تزال تتمتع بموقعها الجغرافي الاستراتيجي على البحر المتوسط والمحيطين الأطلسي والهندي، ما يمنحها أهمية عسكرية أثارت في الآونة الأخيرة اهتمام الأميركيين، بعد عقود من انصراف الاهتمام نحو مناطق أكثر أهمية. وقد تجلى هذا الاهتمام بزيارات الرئيسين كلينتون وبوش ووزراء الخارجية والحرب، وبتوقيع العديد من الاتفاقيات العسكرية، ضمن توجه صريح لتكثيف وجود الأساطيل الأميركية مقابل الشواطئ الإفريقية، في وقت يتزايد فيه الحديث عن النفط الإفريقي كأولوية للأمن القومي الأميركي.‏

لكن هذا الاهتمام الأميركي الموازي لانحسار الاهتمام الأوروبي، والفرنسي بشكل خاص، لا يقابله اهتمام مماثل على مستوى المساعدات الأميركية لإفريقيا. فالمعروف أن الولايات المتحدة قد عارضت ولا تزال تعارض مبادرات المساعدة الأوروبية، على كثرة ما يمكن أن يوجه إليها من طعون، بحجة إعطاء الأولوية لتنمية إفريقيا عن طريق التبادل التجاري.‏

لكن هذه الدعوى تتهافت أمام الواقع المتمثل بضعف المبادلات الأميركية الإفريقية وبضخامة الضرائب الأميركية على السلع المستوردة من إفريقيا. وتعطي "فضيحة" المساعدات الحكومية للمزارعين الأميركيين والأوروبيين صورة عن الشكل الذي تم من خلاله تدمير إنتاج إفريقيا من القطن، وإفقار عشرات الملايين من المزارعين الأفارقة لمصلحة آلاف المزارعين في أوروبا وأميركا.‏

كل ذلك يشكل أرضية تستفيد منها الصين في مد الجسور باتجاه إفريقيا، أسوة ببلدان آسيوية أخرى كماليزيا والهند وكوريا الجنوبية واليابان التي تزيد مساعداتها لإفريقيا عن مساعدات الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا مجتمعة. كما تستفيد منها البلدان الإفريقية في ظل علاقاتها غير السوية مع الغرب. فمن جهة يحتاج الاقتصاد الصيني الصاعد إلى المواد الأولية وإلى السوق الإفريقية التي تعد 700 مليون إنسان، كما أن هذه السوق تجد سهولة أكبر في استيعاب السلع الصينية ذات القدرة التنافسية الأكبر مقارنة مع السلع الغربية.‏

والأهم من ذلك، أن إفريقيا تحتاج، خصوصاً في ظل كثافتها السكانية وفقرها وغناها بالمواد الأولية، إلى نموذج تنموي تقتدي به بعد ما أصابها من دمار نتيجة لتطبيق النماذج المملاة من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ويبدو أن تجارب النمور الآسيوية وتجربة الصين، بوجه خاص، يمكنها أن تقدم لإفريقيا ذلك النموذج المطلوب.‏

وبالطبع، لا يزال من المبكر الحكم على ما سيؤول إليه تطور العلاقات بين الصين وإفريقيا، ولكن الانتقادات والاعتراضات والحملات الإعلامية التي تشن حالياً، على العلاقات الصينية الإفريقية، من قبل الجهات الرسمية الغربية ومنظمات ما يسمى بحقوق الإنسان، كافية للدلالة على إمكانية سير هذه العلاقات في اتجاه أكثر تلاؤماً مع مصالح الشعوب المستضعفة.‏

ومن يدري، فقد تلعب هذه العلاقات دوراً في إحياء آمال باندونغ التي وأدها في المهد انهيار حركات التحرر الوطني تحت ضربات الأميركيين خلال العقود الأخيرة.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2006‏

2006-11-10