ارشيف من : 2005-2008
حكم إعدام صدام بين تحقيق العدالة وتسييسها
النظام العراقي المخلوع صدام حسين واثنين من معاونيه هما: أخوه غير الشقيق برزان ابراهيم الحسن الذي كان مديرا لجهاز المخابرات حينما وقعت مجزرة الدجيل، وعواد البندر رئيس محكمة الثورة التي أصدرت أحكاما بالإعدام بحق مئة وثمانية وأربعين شخصا من أبناء تلك المدينة في صيف عام 1982، على خلفية محاولة الاغتيال التي تعرض لها صدام عند مرور موكبه في ذلك الحين من هناك.
وإلى جانب حكم الإعدام بهؤلاء الثلاثة صدر حكم بالسجن مدى الحياة بحق طه ياسين رمضان نائب صدام سنوات عديدة، وأحكام بالسجن مدة خمسة عشر عاما بحق ثلاثة متهمين هم: مزهر رويد وأبوه عبد الله كاظم وعلي دائح، فضلا عن الحكم ببراءة المتهم الثامن محمد العزاوي.
وطبيعي ان وقائع جلسات المحاكمة التسع والثلاثين شهدت الكثير من التجاذبات والإشكاليات ذات الطبيعة السياسية اكثر منها قانونية، ولم تكن أجواء ومناخات المشهد السياسي العام في العراق بعيدة في تأثيراتها عن سياقات سير المحاكمة.
والقول بأن الاحكام التي أصدرتها المحكمة كانت عادلة وتتناسب مع حجم الجرائم التي اقترفها صدام ورفاقه بحق عشرات الأبرياء، لا ينفي او يقلل من أهمية الكثير من الملاحظات والمؤاخذات المطروحة.
ظروف التأسيس
ولعل من بين أهم وأبرز الملاحظات والاشكالات المطروحة هي تلك التي تتعلق بظروف تأسيس المحكمة الجنائية العراقية المختصة.
فهذه المحكمة تشكلت في العراق في أعقاب الاطاحة بنظام صدام، وتحديدا في العاشر من شهر تشرين الاول/ اكتوبر من عام 2003 بموجب القانون رقم (1) الصادر من قبل مجلس الحكم المنحل الذي تشكل استنادا الى الأمر (48) الصادر عن سلطة الائتلاف الموقتة برئاسة السفير بول بريمر.
ووفق أحد بنود قانون ادارة الدولة للمرحلة الانتقالية (الدستور الموقت) تأسست المحكمة المذكورة، وحددت مهامها بالنظر في "جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الجرائم المرتبطة بالحرب ضد جمهورية إيران الإسلامية ودولة الكويت، والجرائم المرتكبة بحق الشعب العراقي بعربه وكرده وتركمانه وآشورييه وباقي القوميات وشيعته وسنته، سواء ارتكبت خلال نزاعات مسلحة أو غير ذلك" للفترة من 17 تموز ـ يوليو 1968 حتى 1 أيار/ مايو 2003.
وقد بقي قانون المحكمة نافذ المفعول حتى صدور القانون رقم (10) لسنة 2005 الذي أقرته الجمعية الوطنية الانتقالية العراقية (البرلمان) استناداً الى أحكام المادة (33) من قانون إدارة الدولة المصادق عليه من قبل مجلس الرئاسة. وقد أشارت المادة (38) من القانون الأخير إلى أن جميع القرارات وأوامر الإجراءات التي صدرت في ظل القانون السابق صحيحة وموافقة للقانون.
وتمحورت الإشكالية هنا في ان المحكمة الجنائية تشكلت في ظل الاحتلال ومن قبل الحاكم المدني الاميركي، وكذلك حددت مهامها بالنظر في الجرائم المرتكبة من تاريخ انقلاب تموز 1968 حتى الاول من أيار/ مايو2003، من دون الاشارة الى آلية التعاطي مع الجرائم التي يمكن ان تكون قد وقعت او تقع بعد هذا التاريخ.
تغيير الرئيس
عينت المحكمة الجنائية أحد أعضائها وهو القاضي رزكار محمد أمين ليتولى رئاسة هيئة محاكمة صدام ومعاونيه السبعة في قضية الدجيل. وينحدر رزكار محمد أمين من مدينة السليمانية في شمال العراق، حيث وُلد هناك عام 1958، وتمرس في مهنة المحاماة، ثم دخل معهد القضاء العالي في عام 1990، وعُين في منتصف التسعينيات في منصب قاضي قضاة إقليم كردستان الخارج عن سلطة حكومة بغداد في ذلك الوقت.
ومنذ الجلسة الاولى بدا أمين يفتقر الى الحزم والشدة الكافيين في ادارة مقاليد الامور بالنسبة لمحاكمة من نوع خاص من حيث موضوعها وشخوصها، ما خلق ردود فعل سلبية ضده وأثار حفيظة جهات سياسية وأوساط شعبية مختلفة. زد على ذلك أن البعض أشار في حينه الى ان الأميركان لم يكونوا راضين عن أدائه، الامر الذي أفضى في نهاية المطاف الى تغييره في الجلسة العاشرة بتاريخ الأول من شباط/ فبراير وتعيين قاض كردي آخر ينحدر من مدينة السليمانية أيضا، هو رؤوف رشيد عبد الرحمن. وهذا الاخير حرص على ان يظهر حزمه وشدته منذ البداية في التعامل مع المتهمين وفريق الدفاع، ونجح الى حد كبير في ذلك.
توقيت اصدار الحكم
واللافت ان تحديد موعد النطق بالحكم لم يكن خارج سياق الحسابات السياسية، فقد كان من المفترض ان يُنطق بالحكم في السادس عشر من شهر تشرين الاول/ اكتوبر الماضي، الا ان الجلسة أُجلت الى الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، أي قبل يومين فقط من موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الاميركي، وهذا ما مثل اشارة واضحة بالنسبة الى الكثيرين بأن ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش تعمدت اختيار ذلك التوقيت للاستفادة من قرار المحكمة لتعزيز أسهم الجمهوريين في الانتخابات. وبرغم ان الادارة الاميركية وأوساطا سياسية عراقية رسمية نفت ذلك جملة وتفصيلا، لكن التصور والاعتقاد العام في الشارع العراقي لم يتغير بتاتا.
طيّ صفحة صدام
وفي الواقع ان طيّ صفحة صدام الى الأبد ربما ينفع الادارة الاميركية سواء جمهورية او ديمقراطية، لأنها ترى ضرورة في ان تموت أسرار خطيرة مع موت صدام.
ويشير الكاتب العراقي المخضرم حسن العلوي في حوار أُجري معه مؤخرا، الى "ان أسرارا كثيرة ستدفن مع صدام حسين اذا نُفذ حكم الإعدام الصادر بحقه، منها أسرار حربه مع إيران وتسليحه وغزو الكويت وعائدات مبيعات النفط والاغتيالات".
ويضيف العلوي: "كان بإمكان صدام حسين في المحكمة أن يسقط بوش، لكنه بقي متصالحا مع الإدارة الأميركية، ولم يتكلم عن اتفاقاته مع أميركا، لأن هذا يمس وطنيته ويظهر للناس أنه كان متفقا مع الأميركيين، وأن ما حصل بين صدام وأميركا أسميته "التخادم السياسي"، أي هو يقدّم شيئا لهم وهم يقدمون له بالمقابل، وهذا التخادم السياسي لا يقبل صدام بأن يعترف به مع أنه عمل بهذه النظرية خلال الحرب العراقية الإيرانية".
وفي كل الاحوال فقد كان متوقعا ان يصدر حكم قضائي بهذا المستوى على صدام وبرزان والبندر، وحتى على طه ياسين رمضان الذي ربما انتظر الكثيرون ان يكون الحكم بحقه كالحكم بحق صدام.
وبرغم الأبعاد والتأثيرات السياسية في ظروف وخلفيات تأسيس المحكمة ومسارات عملها وعدم استقلاليتها الكاملة والمطلقة، فإن الحديث عن شرعيتها او عدم شرعيتها لم يعد بعد صدور الحكم هو الموضوع، بل بات التساؤل الآن هو: متى سينفذ الحكم؟ وهل يمكن ان تبرز استحقاقات جديدة تقلب الامور رأسا على عقب، أم ان ما نطق به القاضي رؤوف في الساعة الثانية عشرة والنصف من ظهر الخامس من تشرين الثاني/ نوفمبر 2006 سيترجم بعد شهور قليلة الى واقع عملي على الأرض، لتطوى صفحة صدام وآخرين معه دون رجعة وإلى الأبد؟..
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018