ارشيف من : 2005-2008

انتخابات نصفية وهزيمة كاملة

انتخابات نصفية وهزيمة كاملة

مماثلاً على مستوى حكام الولايات. ذلك يعني أن مشكلة ستظهر في التعايش بين السلطتين التشريعية والتنفيذية خلال العامين المتبقيين من ولاية الرئيس بوش، وهذه المشكلة ستضاف بالطبع إلى المشكلة القائمة والمتمثلة بالوضع المأزوم الذي تعيشه الإدارة الأميركية على المستويين الداخلي والخارجي، وخصوصاً على مستوى الفشل في العراق وفي العديد من الملفات الدولية الأخرى، من كوريا الشمالية إلى أميركا اللاتينية، مروراً بالشرق الأوسط.‏

لكن تراجع الجمهوريين وتقدم الديمقراطيين لن يحدث تغييراً ذا شأن على صعيد التوجهات العامة للسياسات الأميركية، ولن يحول دون تعمق الأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة في علاقتها بنفسها وبالعالم.‏

إذ لو فاز الجمهوريون، فإن فوزهم كان سيكون علامة فارقة على مدى الهوة التي باتت تفصل بين توجهات الرأي العام في الولايات المتحدة وبين توجهات الرأي العام في أقرب البلدان، جغرافياً وسياسياً إلى الولايات المتحدة.‏

هذا ما ينطق به استطلاع للرأي تم إجراؤه بناءً على طلب عدد من الصحف الغربية، وجاءت نتيجته لتؤكد أن 78 بالمئة من البريطانيين و74 من الكنديين و75 بالمئة من المكسيكيين يعتبرون أن الرئيس بوش يشكل تهديداً للسلام العالمي، وبأن العالم أصبح أكثر تعرضاً للخطر بسبب السياسات الأميركية المعتمدة منذ العام 2001، وبأن الرئيس بوش قد بات شبيهاً بمتعلم السحر الذي ينشر الدمار والفوضى حيثما حل.‏

كما أن هذا الفوز كان سيكون، في داخل الولايات المتحدة، تعبيراً مؤسفاً، فيما لو اعتبرنا أن الـ40 بالمئة من الأميركيين الذين أدلوا بأصواتهم في الانتخابات النصفية يمثلون كامل المجتمع الأميركي، عن اتجاه هذا المجتمع وجهة متناقضة مع طموحات البشرية ومع طموحات الكثيرين من الأميركيين أنفسهم.‏

وطالما أن ذلك لم يحدث، وجاءت النتيجة لمصلحة الديمقراطيين، فإن ذلك قد جاء لا تعبيراً عن تأييد الأميركيين لهم بقدر ما جاء كتعبير عن استيائهم من سياسات بوش.‏

هنالك إذاً وضع مأزوم في الحالتين، لأن الجمهوريين والديمقراطيين يظلان وجهاً لعملة واحدة هي عملة أميركا المتنطحة لإقامة إمبراطوريتها العالمية على أسس العنف والإكراه والديماغوجيا، حتى في شكل إدارة العمليات الانتخابية وما يرافقها من أساليب مشبوهة في مقدمتها التلاعب غير الأخلاقي بمشاعر المقترعين: الرئيس بوش ركز في حملته الانتخابية على مقولة مفادها أن انتخاب الديمقراطيين سيعني انتصاراً للإرهاب، وأن انتخاب الجمهوريين سيعني الاستقرار والأمن لهذا الجيل البشري وللأجيال القادمة!‏

وبالاقتراب أكثر من حيثيات المعركة الانتخابية نلاحظ، بغض النظر عن نتائج الصناديق، أن النتائج الفعلية ظاهرة سلفاً بشكل واضح على أكثر من مستوى، لجهة فقد الثقة بالرئيس بوش وبأعضاء إدارته من المحافظين الجدد.‏

يتجلى ذلك حتى في ارتباك المحافظين الجدد أنفسهم من جراء السياسات "الخاطئة" لإدارتهم.‏

تكفي الإشارة إلى ريتشارد بيل، وهو مستشار سابق في البنتاغون وأحد المحافظين الجدد الذين كانوا بين الأشد حماسة في الترويج للحرب على العراق، والذي اعتبر مؤخراً أن السياسة الأميركية في العراق هي كارثة فعلية.‏

أما كينيث آدلمان، وهو وجه آخر من وجوه المحافظين الجدد، فقد وصل إلى حد القول إن بوش وفريقه هم الأقل كفاءة بين السياسيين الأميركيين خلال نصف قرن، وذلك بعد أن كان معروفاً بوجهة نظره القائلة بأن الحرب على العراق ستكون في منتهى السهولة، وأنها ستنتهي سريعاً بإقرار الديمقراطية والازدهار في العراق والمنطقة... ويتجلى أيضاً في إحساس الجمهوريين بالورطة المتمثلة بقيادة بوش والمحافظين الجدد للحزب الجمهوري. فألكسندر هيغ، الديبلوماسي الجمهوري المعروف، اعتبر أن المحافظين الجدد قد اختطفوا الحزب الجمهوري وضربوا الثورة الجمهورية المتمثلة بالتوازن بين السلطات لمصلحة الهيمنة على السلطة التنفيذية وعلى القرار السياسي من قبل فريق محدود من المحافظين الجدد. نوع من الدكتاتورية وحكم الحزب الواحد.‏

وفي السياق نفسه لوحظ، منذ بداية الحملات الانتخابية، تبرم المرشحين الجمهوريين بالرئيس بوش على أساس أن سياساته تحرمهم من شعبيتهم الانتخابية. فعلى سبيل المثال، كان من المفترض لشارلي كريست، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم ولاية فلوريدا، أن يقوم بتقديم جورج بوش للحديث أمام حشد انتخابي في مدينة بانساكولا. لكن كريست، غير رأيه ولم يحضر الاجتماع تجنباً للظهور إلى جانب الرئيس!‏

من جهتها، صحيفة نيويورك تايمز، الأكثر عراقة في تاريخ الصحافة الأميركية كتبت، في سابقة فريدة من نوعها، بأنها لن تمنح تأييدها لأي مرشح من مرشحي الحزب الجمهوري، ما يشكل شهادة سوء سلوك كان الجمهوريون بغنى عنها في هذه اللحظات الحرجة. شهادة من النوع نفسه، شكلتها مطالبة أربع صحف داخلية تابعة للجيش الأميركي بإقالة وزير الحرب دونالد رامسفيلد بسبب مسؤوليته عن الفشل في حرب العراق، الأمر الذي رد عليه الرئيس بوش بطريقة غير إيجابية عندما أعلن أن رامسفيلد سيبقى في منصبه حتى آخر يوم من ولايته.‏

وعلى كل حال، لم تستفد معركة بوش الانتخابية من القنبلة التي شكلها إعلان الحكم على صدام حسين، وجاءت تصريحات كوندوليزا رايس بالمناسبة، رداً على الانتقادات الأوروبية، والتي اعتبرت فيها أن الخارج لا حق له بالتدخل في الشأن العراقي الداخلي، شهادة حية على مدى التناقض الذي تعاني منه السياسات الأميركية عندما تغفل كون احتلال العراق تدخلاً في شؤونه الداخلية.‏

ولعل الدليل الأكبر على فشل سياسة الجمهوريين هو اعترافهم بأن إدارتهم للملفات الخارجية والداخلية هي إدارة سيئة، لكنها تظل أفضل حالاً من السياسة التي قد يعتمدها الديمقراطيون في ظل افتقارهم للبرنامج السياسي وللقيادة الموحدة وللوضوح في الرؤية. وإذا كان الديمقراطيون يعانون فعلاً من هذه الإعاقات، فإن إعاقتهم الكبرى تكمن في كون فوزهم نوعاً من الهزيمة بمقدار ما جاء هذا الفوز نتيجة لكسب العديد من أصوات الجمهوريين عبر تبني العديد من شعاراتهم المحافظة، ما يعني، مرة أخرى، أن الفريقين وجهان لعملة واحدة، وأن القيم والمبادئ هي ابرز الخاسرين في المعركة الانتخابية. ولا سيما ان الديمقراطيين، فيما يخص قضايا الشرق الأوسط، لا يختلفون جوهرياً عن الجمهوريين، وإن كانت سياساتهم ستتبع مساراً أقل تهوراً وأكثر انكفاءً، وربما أشد خطراً بمقدار ما يأخذون على الرئيس بوش، على سبيل المثال، أخطاءه في حرب العراق، أكثر مما يأخذون عليه إشعاله لتلك الحرب.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10