ارشيف من : 2005-2008

عندما تنتفض النساء.. تتغير موازين القوى:بيت حانون.. مدينة صغيرة في وجه جيش بأكمله

عندما تنتفض النساء.. تتغير موازين القوى:بيت حانون.. مدينة صغيرة في وجه جيش بأكمله

محاولة لإخراجهم بسلام من هناك، وبالفعل نجحنا واستطعنا بقدرة الله أن نخرج مجموعة من الشباب المحاصرين وسط إطلاق قنابل للغاز وإطلاق رصاص في الهواء وليس باتجاهنا, ولكن في اليوم الثاني خرجنا الساعة الخامسة والنصف فجرا باتجاه المسجد، ولكن هذه المرة وسط إطلاق كثيف من النيران من قبل قوات الاحتلال لأنهم أدركوا أن خروجنا بهدف فك الحصار عن المقاومين, أنا أصبت مع عدد من اقاربي قبل أن نصل إلى المسجد".‏

هذه الكلمات خرجت بصعوبة من الجريحة رضا أبو هربيد، وهي ترقد على سرير في مشفى العودة حيث تعالج من جراح إصاباتها وأضافت: "بقيت انزف حوالى ساعتين دون وصول أي إسعاف، ثم بعد ذلك تم نقلي من قبل الجيران إلى الشارع العام ثم نقلت بالإسعاف إلى المستشفى، وإصابتي بالقدم اليمنى برصاصة في الركبة قطعت الشريان".‏

أما السيدة مروة المجدلاوي فلم يكن احد من أقاربها في المسجد لكنها استجابت لنداءات انطلقت من المساجد لرفع الحصار عن خمسة وسبعين مقاوما في مسجد في بيت حانون وقالت: "حين سمعت المساجد تنادي بالخروج لإنقاذ أفراد المقاومة خرجت على الفور، وكانت هناك عشرات النسوة، ولكن الجنود أطلقوا النار علينا فلم نخف، وتمكنت من إلباس عدد من المقاومين جلبابات ليتخفوا فيها، وأنا لوحدي أخرجت أربعة منهم، لكني أصبت في طريق العودة".‏

وتؤكد "لو طلبوا مني مرةً أخرى مساعدتهم واللهِ الذي لا إله غيره، لن أتردد ولو للحظةٍ واحدة، الجهاد سبيلنا ونيل الشهادة أغلى وأعز أمانينا".‏

طلب الشهادة هذا لبته الاستشهادية ميرفت مسعود التي فجرت جسدها بين مجموعة من جنود الاحتلال وسط بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة حين حاول الجنود تفتيشها. ميرفت قدمت من مخيم جباليا وتسللت إلى وسط البلدة لتنفيذ العملية التي تأتي استكمالا للمسيرة النضالية للمرأة الفلسطينية المستمرة خلال الانتفاضة الحالية، ولتسجل في قاموس الاستشهاديات ولتحمل الرقم 8.‏

والدة الشهيدة قالت ان ابنتها كانت متفوقة جدا في الثانوية العامة وحصلت على معدل 90 في المئة، والتحقت بالجامعة الإسلامية في غزة ـ قسم اللغة الانجليزية، وان ابنتها كانت متأثرة كثيرا بما يجري في بيت حانون، وكانت تبكي كلما رأت شهداء يسقطون، وتأثرت كثيرا عندما رأت النساء في بيت حانون وهن ملقيات على الأرض والدم يغطي أجسادهن. تضيف أمها "كانت تقول لو أني احمل سلاحا لفجرت نفسي، ولكني اعتقدت أنها تمزح".‏

زلزال ضرب المنطقة‏

الانسحاب الإسرائيلي من البلدة كشف عن مشاهد كارثية تفاجئك وأنت تدخل للبلدة التي تتعرض للاجتياح للمرة العاشرة منذ بداية الانتفاضة.. فكل الطرق تقريبا كانت مدمرة، أما المنازل فعليها آثار العدوان، وأينما اتجهت ستجد قصصا تشبه الخيال.‏

المحطة الأولى دفعتنا إلى بعض النسوة المتجمعات داخل بيت في شارع غزة في بيت حانون.. أمال عدوان واجهتنا بالصراخ: "ماذا فعل أخي ليصيبوه بثماني عشرة رصاصة في ظهره.. هل جريمته انه اطل برأسه ليرى ما الذي يجري.. احمد مات على يد أمي، أما أبي فقد اعتقل وإخواني كذلك".‏

وتضيف أمال أن الجيش اقتحم عليها المنزل وقام بتفتيشه بشكل كامل ولم يترك مكانا إلا وعاث فيه فسادا وقتلا وتدميرا.‏

أهالي بيت حانون اندفعوا للاطمئنان على بعضهم خاصة بعد اعتقال عشرات المواطنين على يد قوات الاحتلال، وذلك دون أن تطمئن قلوبهم، فالدبابات كانت قريبة من منازلهم.‏

حرقوا بيتي‏

إبراهيم شبات مواطن في الستين من عمره وقف يروي للانتقاد ما جرى وقال: "كنا نجلس في البيت وفجأة اقتحمت ناقلة جند علينا المنزل.. دمرت نصف الغرف وهربنا إلى ساحة المنزل فلاحقنا الجنود الذين اقتحموا الغرف علينا وقاموا باعتقال أولادي، وفجروا الجدران التي تفصل بيننا وبين الجيران، اقتحموا عليهم منازلهم وتنقلوا من بيت لبيت بهذه الطريقة".‏

شبات قال إنها المرة الأصعب التي يعيشها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبلدة، فالحركة كانت ممنوعة، والقتل نصيب من يتحرك، أما الطعام والشراب فكانا غير متوافرين على الإطلاق، أما زوجة ابنه فقالت إنها كانت تضطر لتنام وتأكل وتشرب مع سبعة من أولادها في نفس الغرفة، وكانت توصي أولادها بشرب جرعة صغيرة من الماء ليكفي لباقي الأولاد.‏

آثار البلدة دمرت‏

قوات الاحتلال الصهيوني دمرت مسجداً أثرياً في بلدة بيت حانون يعود تاريخ تشييده إلى العام 625 هجرياً (1204 ميلادياً)، أي قبل أكثر من ثمانمئة عام، حيث بناه شمس الدين صنقر تخليداً لذكرى معركة النصر، التي حدثت زمن الناصر صلاح الدين، ودُفن شهداؤها في محيط المسجد، وأُطلق على المسجد اسم "مسجد النصر".‏

وحسب مركز الميزان فقد تجاوز عدد المنازل التي حل بها تدمير متفاوت 200 منزل، فيما تجاوزت مساحة الأراضي الزراعية المجرفة مئة دونم، والمنشآت العامة والتجارية 30 منشأة ومحلاً، هذا بالإضافة إلى المركبات المدمرة.‏

كما جعلت تلك القوات، كما يشير البيان، من المنازل السكنية والمنشآت المدنية الأخرى، والبنية التحتية لا سيما منها الخدمات التي لا غنى عنها لحياة السكان كشبكات توصيل مياه الشرب وغيرها، "هدفاً لعملياتها الحربية"، هذا بالإضافة إلى فرضها حصاراً مشدداً على حرية الحركة والتنقل داخل البلدة وبينها وبين محيطها.‏

كما وجدد مركز الميزان استياءه الشديد من استمرار الصمت الدولي حيال ما يجري، وعدم تحركه، لا سيما "الأطراف السامية الموقعة على اتفاقية جنيف الرابعة، وتحللها من واجباتها بموجب القانون الدولي، والتي تفرض عليها تحركاً عاجلاً لتوفير الحماية الدولية للسكان المدنيين وممتلكاتهم، ووقف انتهاكات قوات الاحتلال الجسيمة لحقوق الإنسان ولقواعد القانون الدولي".‏

ستون شهيداً ومئات الجرحى‏

الدكتور معاوية حسنين مدير الإسعاف والطوارئ في وزارة الصحة الفلسطينية قال ان نحو ستين فلسطينيا استشهدوا خلال العدوان على بيت حانون، وان أكثر من ثلاثمة أصيبوا، بينهم العشرات بجراح خطيرة.‏

وأشار حسنين إلى أن الجيش الإسرائيلي استخدم اسلحة تفتت الأطراف لدى المصابين الفلسطينيين، وتسبب الشلل لدى أعداد كبيرة منهم، ودعا المجتمع الدولي لحماية المسعفين، خاصة في ظل قتل الجيش الإسرائيلي لاثنين من المتطوعين في الهلال الأحمر خلال محاولتهما إسعاف الجرحى الفلسطينيين الذين كانوا يتساقطون في ساعات الليل والنهار.‏

مجزرة جديدة‏

الاحصائية التي اوردتها المصادر الطبية سرعان ما تغيرت بعد مجزرة جديدة راح ضحيتها سبعة عشر شهيدا فلسطينيا، وعشرات الجرحي الذين كانوا في منازلهم في ساعة مبكرة من فجر الاربعاء (8/11/2006) معظمهم كانوا من‏

الأطفال والنساء والشيوخ وسقطت عليهم القذائف المدفعية وهم نيام.‏

وتقع بلدة بيت حانون إلى الشمال الشرقي من قطاع غزة، ويقطنها نحو ثلاثين ألف فلسطيني، معظمهم مواطنون، أي من سكان البلدة أباً عن جد، إضافة إلى عدد من اللاجئين الذي وفدوا إليها بعد النكبة التي حلت بالفلسطينيين عام ثمانية وأربعين.‏

الانتقاد/ تقارير ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10