ارشيف من : 2005-2008

الجلستان الأولى والثانية للتشاور ترسمان معالم المرحلة المقبلة:انكفاء شباطي والمعارضة تستلم زمام المبادرة

الجلستان الأولى والثانية للتشاور ترسمان معالم المرحلة المقبلة:انكفاء شباطي والمعارضة تستلم زمام المبادرة

قيادات الصف الأول من فريقي 14 شباط والمعارضة، ملامح المرحلة المقبلة، وخصوصاً الإقرار الشباطي بتبدل موازين القوى الإقليمية والدولية، ما سيجد انعكاساً له على الساحة المحلية في أكثر من اتجاه، خصوصاً تصحيح الخلل القائم في ادارة الحكم التي استأثر بها الفريق الشباطي عاما ونصف العام وانتهى إلى فشل كارثي كاد يسلم معه البلاد إلى "المستعمرين الجدد"، لولا الممانعة الواسعة للقوى الوطنية التي استلمت زمام المبادرة بعد الانتصار التاريخي الذي حققته المقاومة على الكيان الصهيوني خلال حرب تموز.‏

الجلستان الأولى والثانية للقاء التشاوري أفرزت العديد من المعطيات والحقائق والتحولات التي ستشكل بداية المسار نحو واقع سياسي جديد يستعيد فيه البلد بعض عافيته من خلال حتمية تشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل بداخلها القوى السياسية التي لها تمثيل شعبي حقيقي، وهذه النتيجة ستتحقق سواء بالتوافق أو بالوسائل الديمقراطية المشروعة.‏

الجلسة الأولى التي انعقدت الاثنين استمرت قرابة أربع ساعات وتمثلت فيها قيادات الصف الأول من الفريقين، ومثل الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد على رأس وفد من حزب الله ضم وزير الطاقة محمد فنيش والنائب حسين الحاج حسن. وخلال هذه الجلسة جرى تظهير مواقف جميع القوى السياسية، وانتهت إلى نتائج ومعطيات عدة.‏

أولاً: جرى تثبيت جدول الأعمال المعلن سلفاً وهو تشكيل حكومة وحدة وطنية وقانون الانتخاب "دون زيادة أو نقصان"، وبالتالي فشل فريق 14 شباط في اضافة بند رئاسة الجمهورية. وقد حشرهم الرئيس بري في الزاوية عندما أعرب عن استعداده لطرحه للنقاش إذا كان لديهم جديد على هذا الصعيد، فلاذ الجميع بالصمت، واستقر الأمر على النتيجة التي كان وصل اليها مؤتمر الحوار الوطني بشأن البند الرئاسي، وهي "الاتفاق على "اللااتفاق".‏

ثانياً: نجح الفريق المعارض في تثبيت موقفه السياسي المؤكد أن الخروج من المأزق الحالي الكبير هو بتشكيل حكومة وحدة وطنية، ما دفع الفريق الشباطي إلى الإقرار بضرورة التغيير الحكومي وموافقته على إشراك التيار الوطني الحر في الحكم، من دون أن يصل إلى الموافقة على الثلث الضامن. كما تمكن الفريق المعارض من الفصل بين مطلب حكومة الوحدة الوطنية وموضوع المحكمة الدولية ورفض المقايضة، باعتبار أن المحكمة كانت محل إجماع في مؤتمر الحوار ويبقى النقاش في التفاصيل.‏

ثالثاً: برز في الجلسة الأولى موقف رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي أقرّ فيه بتراجع المحور الاميركي الذي ينتمي اليه، وتقدم المحور السوري ـ الايراني في المنطقة، معللاً الوضع الجديد بالانتصار الذي حققه حزب الله على الجيش الاسرائيلي في الحرب الأخيرة. وبدت أهمية الموقف الجنبلاطي في أنه يأتي في أعقاب زيارته المطوّلة إلى الولايات المتحدة ولقائه عددا من المسؤولين الاميركيين، من بينهم وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس ونائب الرئيس ديك تشيني.‏

وتركت مواقف جنبلاط انطباعات مختلفة سواء داخل الفريق الشباطي أو فريق المعارضة، وطُرحت في هذا السياق عدة تساؤلات.‏

هل هذا الموقف الذي أدلى به جنبلاط يشكل بداية انعطافة في خيارته السياسية؟ وهل يعيد تموضعه ويبدأ رحلة الخروج من المحور الاميركي بعد ملامح الفشل الاميركي في المنطقة من العراق إلى فلسطين مروراً بلبنان، أم أن في الأمر استنهاضا للهمم للحث على عدم التراخي أمام مطلب المعارضة، خصوصاً أنه أشار إلى عناده العائد إلى أصله الكردي وإكماله الحملة على سوريا. كلها تساؤلات يتوقع ان تتضح الإجابات عنها خلال الأيام والأسابيع المقبلة.‏

رابعاً: لفت في الجلسة الأولى للتشاور أيضاً موقف رئيس تيار المستقبل النائب سعد الحريري من سلاح المقاومة حيث قال: "ان هذا السلاح غير مطروح للنقاش حالياً ما دامت مزارع شبعا محتلة، وأنا ضمانة هذا السلاح، وإن طالب وزراء المستقبل في الحكومة بنزع هذا السلاح فسأسحبهم منها".. أوساط مراقبة تعرب عن حيرتها لهذا التبدل السريع في مواقف الحريري من هذا السلاح، وتذكر بتوقيعه في الأمس القريب على بيان فريق 14 شباط في البريستول، الذي يطالب المجتمع الدولي بالمساعدة على نزع سلاح المقاومة، إضافة إلى التعاطي السياسي والحكومي الذي ساعد في إطالة أمد العدوان الصهيوني وروّج للشروط الاسرائيلية عبر الموفدين الاميركيين. وترى الأوساط أن موقف الحريري جاء متأخراً، لأن سلاح المقاومة لم يعد مطروحاً للنقاش بعد الانتصار التاريخي الذي حققته المقاومة واعتراف قادة الكيان الصهيوني بالعجز التام عن إمكانية نزع هذا السلاح.‏

وتلفت الأوساط إلى أن مواقف الحريري لن تعدّل مسار البرنامج والقرار الذي اتخذه حزب الله بالوصول الى حكومة وحدة وطنية، سواء من خلال التشاور المحدد زمنياً أو الوسائل الديمقراطية، ومن ضمنها النزول الى الشارع.‏

"الجلسة الثانية"‏

أما الجلسة الثانية التي انعقدت الثلاثاء فإنها اتصفت بالمناقشات التفصيلية والعميقة بشأن حكومة الوحدة الوطنية، وتخللتها مناقشات حامية بشأن الطروحات كانت في جانب منها بين رئيس كتلة الوفاء للمقاومة النائب محمد رعد والنائبين وليد جنبلاط وسعد الحريري. وعُلقت الجلسة أكثر من مرة لدى احتدام السجالات، وانتهت الجلسة الثانية الى خلاصات عدة أبرزها:‏

أولاً: الدخول في النقاش التفصيلي حول التغيير الحكومي والثلث الضامن الذي أصرّت المعارضة على الحصول عليه، سواء بالتعديل أو التوسيع. بالمقابل حاول الفريق الشباطي قدر ما استطاع عدم تجرّع هذه الكأس المرة برغم إدراكه أن وضعه صعب وقد يخسر أكثر اذا لم يقبل بهذا المخرج.‏

ثانياً: أوصل مدير الحوار الرئيس نبيه بري رسالة سياسية واضحة عن الموقف الذي سيتخذه كقوة سياسية إذا لم تصل جلسات التشاور الى نتيجة توافقية بشأن تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، ومفاد هذه الرسالة أنه في حال الوصول الى استقالات من هذه الحكومة فإن الاستقالة ستكون لوزراء حزب الله وحركة أمل معاً، وذلك عندما كان يعلّق على مداخلة للنائب العماد ميشال عون حول موقف قوى 14 شباط اذا قام حزب الله بهذه الخطوة. كما أن الرئيس بري قدم اقتراحه للحل بتوسيع الحكومة أو تعديلها بما يوصل الى الثلث الضامن الذي كان موجوداً أصلاً لدى تشكيل هذه الحكومة، وأنه ليس مطروحاً إسقاط الحكومة ولا تغيير الرئيس السنيورة، وليس مطروحاً بيان وزاري ولا ثقة جديدة أمام مجلس النواب.‏

وانتهت الجلسة الثانية بتكليف "الطبّاخ الماهر" النائب ميشال المر طبخ صيغة حكومية طُرحت في ما بعد على جلسة الخميس، بعد أن قام بجولة اتصالات مع الأطراف الفاعلة.‏

محصلة الجلستين الأولى والثانية للتشاور كانت إدراك الجميع التحولات السياسية وموازين القوى الجديدة، وفي حين كان فريق المعارضة مستعيداً لزمام المبادرة، كان الفريق الشباطي في حالة تراجع ودفاع.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10