ارشيف من : 2005-2008

القرار 1701 بين الخروق الإسرائيلية وطموح الشباطيين ودول الوصاية الجديدة

القرار 1701 بين الخروق الإسرائيلية وطموح الشباطيين ودول الوصاية الجديدة

11 آب الماضي) الذي كان من المفترض أن يضع حداً للأعمال العدائية الصهيونية ضد لبنان، بما فيها الانتهاكات للسيادة الوطنية براً وجواً وبحراً، فإن العدو الذي وجد في القرار الدولي فرصة ليحقق من خلاله ما عجز عن تحقيقه في الحرب ويعوض عن فشله أمام المقاومة، يواصل خرقه للجو والبر والمياه اللبنانية، بينما يقف الفريق الشباطي الحاكم في لبنان متفرجاً او بأحسن الحالات يدعو الى الحد منها. أما القوات الدولية فتكتفي بتعداد الخروق والدعوة الى وقفها.‏

القرار الدولي حمل إلى لبنان مزيداً من القوات الدولية ونشرها في المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني، ولم تكن هي الأخرى موضع الآمال المعقودة عليها بعدما بدا الدور الذي عهد اليها ملتبساً الى حد لم يعد يعرف أحد حدوداً لها، كما في تضارب الحديث عن "قواعد فك الاشتباك" في البر والبحر والجو، الأمر الذي أظهر أن هناك محاولة لاستدراج لبنان الى قواعد "اشتباك عامة" من شأنها أن تخدم "إسرائيل" أولاً وأخيراً.. هذا اضافة الى ما يُطمح إليه من دور مستقبلي لهذه القوات ـ بتغطية واضحة من الفريق الحاكم في لبنان وتلبية لجموح دول الوصاية الجديدة ـ يتجاوز جغرافياً المنطقة الفاصلة بين نهر الليطاني والحدود الدولية الى الداخل اللبناني، أو للمراقبة الجوية بعد المراقبة البحرية.. يضاف اليها مراقبة الشاطىء الشرقي للمتوسط الذي يمتد من اسكندرون إلى الناقورة بهدف محاصرة دول الممانعة للمشروع الأميركي الإسرائيلي، وفي مقدمتها سوريا.‏

الخبراء المتابعون لهذه القضية يجدون ان القرار الذي جاء "رمادياً" في كثير من بنوده وفّر للعدو غطاءً لانتهاكاته المتمادية. يقول العميد أمين حطيط في هذا المجال في حديث لـ"الانتقاد": "إن ما جاء به القرار الدولي خطر للغاية، لكونه لم يطلب صراحة وقفاً لإطلاق النار، بل قال بوقف العمليات العدائية، على اعتبار أنه في الصيغة الأولى ـ أي وقف إطلاق النار ـ يفترض العودة إلى ما كانت عليه الحال قبلاً، أي العودة إلى ما سُمي بالخط الأزرق الذي رسمه لارسن بتاريخ 27 أيار من العام2000. أما في الصيغة الثانية فيعني انه تَرك الأمر لتدبير لاحق تستطيع "إسرائيل" من خلاله أن تخلق أمراً واقعاً لها. و"هذا الواقع" على ما يقول حطيط نابع من أن هناك تنسيقاً خفياً قائماً بين "إسرائيل" من جهة والأمم المتحدة من جهة أخرى برعاية أميركية وبتغاضٍ من الحكومة اللبنانية، فيما يخص تطبيق القرار 1701 الذي يتضمن أحكاماً رمادية قابلة للسير في اتجاهات متعاكسة قد تأتي لغير مصلحتنا فيما لو جرى السير بها. من هنا يعتبر أن الأهمية القصوى تكمن بوجود حكومة وحدة وطنية لا تخضع للإملاءات الأميركية وتقوم بتفسير القرار الدولي بما يخدم المصلحة الوطنية، على أن كل التفسيرات التي سيقت منذ صدور القرار إنما جاءت لغير مصلحة لبنان.‏

الخروق البرية‏

يقول حطيط ان "إسرائيل" أقدمت في هذه "المنطقة الزمنية الرمادية" ـ بعد صدور القرار 1701 ـ على اقتطاع معظم الأراضي التي كانت تطمع بها، والتي كان حرمها لبنان منها في مواجهته السياسية والعسكرية منذ العام 2000، وهي في مناطق: اللبونة، الوقف الماروني (في علما الشعب)، يارون، عيتا الشعب، الرميش، عيترون، العباد، هونين مسكفعام ـ العديسة، الغجر وأخيراً تحريك الخط الأزرق في منطقة مزارع شبعا، وهي خروق تتراوح بين 5 إلى 10 أمتار بعمق يصل بعضها إلى 150 متراً.‏

ويؤكد أن الجيش اللبناني استطاع حتى الآن إزالة خرقين وحيدين في كفر كلا والمطلة.‏

ولكن السؤال يبقى: كيف سيُتعامل مع الخروق المتبقية وعددها تسعة؟ هل عبر الأمم المتحدة؟‏

يجيب حطيط بالقول: "إذا كنا ننتظر المجتمع الدولي ليصلح لنا شأننا فسننتظر طويلاً، لا بل إن ذلك سيشكل بتصرفاته خطراً على المصلحة الوطنية لأنه سيذّكرنا بما فعله "لارسن" في العام 2000 وكاد يقتطع نحو عشرين مليون متر مربع لولا مواجهة لبنان له حينها".‏

ويلفت في هذا الإطار الى خطورة "ما نُشر مؤخرا عن اتفاق بين "إسرائيل" والأمم المتحدة تقوم الأخيرة بموجبه بإرسال خبير دولي لترسيم الحدود في منطقة مزارع شبعا"، محذراً الحكومة اللبنانية من السير في هذا المخطط، "لأن أي ترسيم دولي لا يشترك فيه اللبنانيون والسوريون سيعيدنا إلى منطق لارسن، فتضيع علينا حقوقنا، لأن هؤلاء هم أصحاب الأرض، وبالتالي لا يحق لإسرائيل أن تشرف أو تراقب أي عملية ترسيم". ويضيف: "المنطق يقول بأن تنسحب "اسرائيل" من الحد الذي رسمه لبنان لمنطقة المزارع، ويأتي فريق لبناني سوري مشترك يقوم بتثبيت الخط مع الفريق الدولي على أرض الواقع، أما أن يقوم فريق من الأمم المتحدة مستقل وبغياب السوريين واللبنانيين بالمهمة، فهذا أمر في غاية الخطورة، ويسحب ورقة وطنية مهمة من اليد اللبنانية، ويهدر حقوقنا لمصلحة العدو الإسرائيلي ومن خلفه الأميركي".‏

ويعتقد حطيط أن "الدافع الدولي" لمثل هذه الخطوة إنما تأتى من ثغرة كبيرة وقعت فيها الحكومة اللبنانية، عندما قبل لبنان من خلال "النقاط السبع" أن توضع مزارع شبعا تحت إدارة دولية. متسائلاً: من سمح للحكومة اللبنانية بأن تتنازل عن أرضها لتضعها تحت إدارة دولية؟". غير أنه يعود ويؤكد أن حكومة السنيورة إنما أرادت فعل ذلك لأن بقاءها في الحكم هو رهن فتح "أقنية" للتدخلات الدولية!‏

ويتساءل: على أي أساس ستُرسم الحدود في المزارع، مع العلم بأن الأمم المتحدة كانت رفضت الأمر في العام 2000؟! ويضيف: "انه بمجرد قبول الأمم المتحدة اليوم بعملية ترسيم المزارع يؤكد أن الأخيرة كانت متواطئة مع "إسرائيل" في العام 2000 لتبقي المزارع في اليد الإسرائيلية، ذلك أن الوثائق التي قُدّمت الآن هي نفسها التي قُدمت في العام 2000". وبرأيه فإن الذي تغير هو أن "الحكومة اللبنانية أصبحت طيعة للسيد الأميركي وقبلت بالتدخل الدولي، وبالتالي جاءت الأمم المتحدة بفكرة ترسيم الحدود وفق ما تشتهي وتريد!".‏

دور "اليونفيل"‏

وإذا كان القرار 1701 واضحاً في تنظيم سلوك القوات الدولية والجيش اللبناني على الساحة الجنوبية، إلا أن ما يثير الريبة والشك عند حطيط هو الاحتكاك الذي وقع بين القوات الإسرائيلية والقوات الألمانية المنضوية في "اليونيفل"، والذي "نفض" عنه غبار "البراءة" التي حاول البعض أن يضفيها عليه. ويقول حطيط: "إن الاحتكاك الجوي الذي وقع بين قوات الاحتلال والبحرية الألمانية إنما كان مفتعلاً، لأن الأمر سبقته بعض "العراضات" العسكرية من قبل قادة "اليونيفل" في مسألة قواعد الاشتباك في الأرض، ثم محاولة إيجاد قواعد اشتباك في الجو، ويأتون اليوم لافتعال مشكلة في البحر ليقولوا يجب وضع قواعد اشتباك في البحر"! ويضيف: "فإذا ربطنا تلك المسائل الثلاث بعضها ببعض فإن ذلك يقودنا إلى مسألة بسيطة، وهي استدراج لبنان للقبول بقواعد "اشتباك عامة" تعطي قوات "اليونيفيل" الحق باستخدام القوة خارج ما أجيز لها في القرار1701، أي أن تنزع عن الأمم المتحدة المهمة التي جاءت من أجلها، وإدخالها في المشروع الفرنسي الأميركي الذي يتضمن البند العاشر منه حق القوات الدولية باستخدام القوة.. بمعنى آخر وضعها في مواجهة الشعب اللبناني الذي يمتشق السلاح للمحافظة على حقوقه المهدورة، التي لم تؤمنها يوما الأمم المتحدة.. ويقودنا أيضاً إلى القول ان القرار 1701 صدر رمادياً تحت "الفصل السابع"، وإن هناك مسعى دولياً ـ إسرائيلياً ولبنانياً لتفسير هذا القرار وفق هذا الفصل، أي الانتقال من النص "السادس" إلى "السابع" عند التطبيق!‏

وماذا عن المهمة الحقيقية "لـ اليونيفيل"، وماذا يمكن أن تطمح إليه في المستقبل؟‏

يقول حطيط: "بكل بساطة "اليونيفيل" تقاد ظاهريا من قبل الفرنسيين، وإدارياً مرتبطة بالأمم المتحدة، أما القيادة الحقيقية فهي للحلف الأطلسي المرتبط عضويا بالولايات المتحدة الأميركية".‏

ماذا يعني ذلك؟‏

يعني بحسب رأي حطيط أن لبنان بات بمثابة "مختبر أميركي" لفبركة ما يسمى بالنظام الدولي الجديد الذي يستند إلى اللاشرعية الدولية وتشرّعها القوة، وأن اليونيفيل اليوم لا تقوم فقط كما يظن البعض بمراقبة الشاطئ اللبناني فحسب، بل بمراقبة الشاطىء الشرقي للمتوسط الذي يمتد من اسكندرون إلى الناقورة. وعليه ـ يقول حطيط ـ يجب ملاحظة ما تقوم به القوات الأطلسية اليوم في مراقبة الشواطىء السورية، وذلك بهدف التمهيد لفعل شيء ما ضد سوريا عندما تقتضي الضرورة". ويضيف: "لكن لا يعني بالضرورة أن الأمور سيكتب لها النجاح، والسبب أن استناد "اليونيفيل" على حكومة السنيورة في تصرفاته تبقى غير كافية لأمرين أساسيين:‏

أولا: حكومة السنيورة تترنح الآن بفعل الضغط الشعبي الذي يمارس عليها لإسقاطها.‏

ثانيا: ما جرى للقوات المتعددة الجنسية في العقدين السابقين في لبنان إبان الاجتياح الإسرائيلي في العام 1982 ما زالت حاضرة في ذاكرة اليونيفيل، وبالتالي عندما يقول الشعب لا لهذه التصرفات فإن اليونيفيل لن تتجرأ على تجاوز القرار 1701 لجهة القيام بأعمال غير مشرعة لها دولياً، لأنها ستجد نفسها في مواجهة شعب المقاومة لا محال.‏

حسين عواد‏

الانتقاد/ مقابلات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10