ارشيف من : 2005-2008
مشاكل متجددة والدولة "لا عين رأت ولا أذن سمعت": شتاء "حارق" في البقاع
الا قلة محدودة يعملون ليل نهار لحل احجية العيش في هذا الوطن.. وبالكاد ينجحون.
حياة المواطن اللبناني عموما والبقاعي خصوصا باتت دوامة متصلة لا يمكن الخروج منها في ظل تردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتراجع القيمة الفعلية للدخل، يقابلها ارتفاع كبير في اسعار الحاجيات الضرورية لاستمرار الحياة، وإهمال متعمد لقطاعات العمل المختلفة من الزراعة الى الصناعة والحرف.. ما يزيد من حجم المشكلة ويحوّلها الى أزمة اجتماعية كبيرة تجعل حياة الناس وخصوصا في الأطراف، مشكلة في سلسلة تبدأ ولا تنتهي، أما الخاتمة فغير معلوم زمانها. أما الدولة فيصح فيها القول: "لا عين رأت ولا أذن سمعت".
ومن خلال الارتفاع الجنوني لاسعار المحروقات وخصوصا المازوت يتبين ان كل فئات المجتمع هم ضحايا هذا الارتفاع، بدءا من المزارعين الى المواطنين مرورا بالصناعيين واصحاب الافران, ومع الهجوم المبكر للشتاء والصقيع هذا العام بقساوة غير معهودة منذ زمن بعيد، بدأت تنكشف الازمة الحقيقية التي يعيشها سكان المناطق الجبلية وسهل البقاع، حيث ان كارثة واقعية قد تصيب معظم شرائح المجتمع اللبناني على نحو غير مسبوق.
ويزيد الطين بلة الاثار السلبية التي خلفها العدوان الاسرائيلي في تموز على المناطق التي تعتمد في معيشتها على الزراعة بنسبة كبيرة، ومع ما يعانيه هذا القطاع من اهمال واستهتار وكوارث متلاحقة، وما عاناه خلال العدوان حيث ضربت المواسم وأتلفت المزروعات، ولم تُجن المحاصيل، فإن اهم مواسم منطقة البقاع وهو العنب بات عبئا ثقيلا على اصحاب الكروم الذين فضل الكثير منهم ترك العناقيد على دواليها يأكلها الصقيع حيث لم يتمكنوا من قطافها او تصديرها او تأمين اسواق لها. ولأن بيع المحاصيل هو السبيل الوحيد لتأمين اموال التدفئة والمصاريف الأخرى عمد كثيرون الى قطعها للاستراحة من همومها واستخدام حطبها للتدفئة….
نموذج لواقع اجتماعي بائس
وخلال جولة لنا في منطقة البقاع نصادف امرأة تفرش بعض الحشائش لتبيعها عسى ان تؤمن غذاء اطفالها الأربعة الذين لم يلتحقوا بالمدرسة هذا العام على الرغم من "الإشاعة" التي تقول بمجانية التسجيل والكتب والقرطاسية، الا ان بعض المدارس قد استوفت جزءا من الرسم ولو رمزيا، اما الكتب فلم يحصلوا عليها الا على اللوائح التي سلمت الى المكتبات المتعاقدة والتي لم تؤمنها حتى الآن، والسبب حسب بعض اصحاب المكتبات يتفاوت بين عدم توافر الكتب من المركز الوطني للبحوث والانماء وبين تلكئهم في جلبها لانهم لن يحصلوا على ثمنها من الوزارة المختصة الا بعد عمر طويل، وهذا ما لا يستطيعون تحمله، علما ان المملكة السعودية واليونيسف ودولا اخرى قد تبرعت بتكاليف التعليم الرسمي للطلاب اللبنانيين، وتقول هذه السيدة انها تحاول ان تجني من خلال عملها في بيع الخضار او العمل في بعض بيوت الميسورين يوماً او يومين في الاسبوع لتأمين دواء زوجها المريض والعاجز، وقوت عيالها. وتضيف انها تحصل في يوم العمل على اقل من عشرة الاف ليرة، وهو مبلغ لا يمكنها من خلاله ان تطعم اولادها لذلك فهي تضطر للعمل في أكثر من مجال.
وعن مدرستهم تقول انه يمكن لأولادها ان يعيشوا من دون تعلم، لكن لا يمكن ان يعيشوا من دون طعام، وتقول بغصة سبقتها دموعها "لا اعرف كيف أؤمن تدفئتهم في هذا الفصل البارد"، مضيفة انه "لا يمكن للأهل وخصوصا الأم أن تتخلى عن اولادها فتسهر على راحتهم بما امكنها وبما أوتيت من قوة، والدولة "أم" لكنها تخلت عن مسؤلياتها تجاه ابنائها وخصوصا الفقراء منهم..".
وتخوف نقابيون زراعيون من تنفيذ القرار 44 الذي اصدر العام الماضي ويقضي برفع الدعم عن المزروعات بحيث دعا وزير الاقتصاد سامي حداد بعد لقاء مع المزارعين الذين راجعوه بخصوص هذا القرار الى عدم العمل على قاعدة ان هناك دعما للزراعة هذا العام، وقد اكد ان الحكومة ماضية بتنفيذه، وقال انه اذا اضطر للتراجع عنه فهو مستعد للاستقالة وغير مستعد للتراجع عنه.
وهذا الامر اذا ما نفذ فإنه سينسحب على ملف التبغ والقمح والشمندر وباقي المزروعات، وهو استجابة للشروط التي وضعها البنك الدولي. ويقول علي سلمان احد كبار المزارعين في البقاع ان "الدعم الذي كان يقدم ما هو الا عملية ضخ للأوكسجين في الجسم الزراعي المنهار اصلا، وبهذه القرارات المجحفة والظالمة يريدون قتل الزراعة والمزارعين"، داعيا لان "يكون لدى الجميع القناعة بأن لا وجود للبنان بدون الزراعة، ولا كرامة للوطن اذا كان المزارعون يعيشون بذل وفقر واستجداء"، وبما يخص مادة المازوت يقول لقد "كانت كلفة الانتاج عالية جدا واكثر من اية دولة مجاورة عندما كانت صفيحة المازوت بـ7500 ليرة، وكانت المطالبة بتخفيض هذا السعر، اما الان والسعر الرسمي يلامس الـ20000 ليرة فتكلفة الانتاج ستكون مضاعفة مرات، والمشكلة لا تكمن هنا فقط، بل الخطورة الاكبر هي موضوع التدفئة التي تطال كل الناس وتؤثر على الفقراء ومتوسطي الدخل خصوصا".
وفي ظل عدم توافر الدخل بسبب المشكلات التي تواجه القطاع الزراعي وتفشي البطالة فإن الحديث عن المدارس والاقساط والكتب والطبابة وتكاليف الحياة اليومية ومشاكلها يصبح دون فائدة، الا ان التخوف هو من استمرار هذه السياسة لدى الحكومة والمسؤولين الذين بالتأكيد لا يشعرون بكل هذا، ولا يتأثرون بحرّ او برد او جوع او نقص في الاموال والانفس والثمرات، وهذا ما عبر عنه ابو علي وهو اب لسبعة اطفال لم يكمل تسجيلهم في المدارس، وهو يحاول الان تجميع الحطب للتدفئة, يتلعثم من الحسرة والحقد على الزمن الذي وضعه في دولة لا تحترم شعبها، طالبا أن نفتش له عن حل يمكنه من دفع غائلة الجوع ووخز البرد عن عياله في ظل الارتفاع الكبير لاسعار المحروقات، وقلة الاعمال، وانعدام الموارد المالية، وهو الذي يعمل مياوماً في الارض، وقال "هذا العام لم نشتغل الا قليلا، ففي موسم العمل اعتدت "اسرائيل" وتوقف عملنا، لكن ربحنا كرامتنا، ومع ذلك فالطعام ليس مشكلة والمعدة تستر ما يملؤها، لكن الاطفال الذين يصبرون على نوعية الطعام هل يصبرون على برد الشتاء؟".
وبين هذا وذاك تنسحب المشكلة على وسائط النقل وخاصة نقل الطلاب، وهي مشكلة اصحاب الباصات واهالي الطلاب معاً، والخصم واحد وهو ادارة ظهر الدولة والمسؤولين فيها.
الوضع الانمائي
وتعيش منطقة البقاع وضعا مزريا في طرقاتها التي بوشر بتنفيذ بعضها، ولم يستكمل منذ سنوات، وبعضها بات ورشا منتشرة على طوله، منها ما يعمل ببطء ومنها متوقف، والنتيجة حفر وأخاديد واعصاب مشدودة وحوادث متتالية اضيفت اليها الاضرار التي احدثتها الاعتداءات الاسرائيلية على الجسور والطرقات داخل القرى وعلى الطرق الرئيسية، وهي تنبئ بكوارث ومخاطر في الشتاء، بالاخص على الجسور التي انجزت مؤقتا بطريقة الردم فوق عبّارات صغيرة وضعت في مجاري الانهر.
من خلال هذا العرض الموجز يمكن بل ويرد على ذهن المواطن عشرات بل مئات الاسئلة لحكومته عن اهمالها وتقصيرها وغيابها عن هذه المنطقة بالذات، وعرقلتها لتحرك بعض البلديات لاصلاح بعض الطرقات، ومنعها من نقل مادة الديفينول لفرش الطرق وتعبيدها، وهذا الامر كان موضع بحث في اجتماع لرؤساء بلديات المنطقة مع النائب جمال الطقش في بعلبك، الذي دعا فيه النائب الطقش الدولة والمحافظ الى تحمل مسؤولياتهم وتسهيل هذه المهمة قبل تفاقم الامور وتحولها باتجاهات اخرى.
على ابواب الشتاء القارس العام الماضي خرج الكثير من اللبنانيين في عدة مناطق وخصوصاً في البقاع صارخين ولم يهدأوا حتى تحققت بعض المطالب ومنها دعم صفيحة المازوت، شتاء هذا العام يبدو حارقاً، فهل يعود اللبنانيون الى المطالبة ام تستعجل الدولة الحل!.
تحقيق وتصوير: عصام البستاني
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018