ارشيف من : 2005-2008

رئيس بلديتها حاز ثقة أهلها والشهادة : زبقين.. دمرها العدو وبقيت شامخة

رئيس بلديتها حاز ثقة أهلها والشهادة : زبقين.. دمرها العدو وبقيت شامخة

زبقين مغروسة بين أضلع سنديانها، وأكناف جبالها، وعلى أكتاف أوديتها.. حكاية المقاومة العامرة بالتضحيات منذ احتضن تراب الجنوب بذارها الأول وسقاها من أوردة المجاهدين فتصلبت جذورها في أعماق الارض، فغدت عصية على كل عواصف العدو وحروبه التي لا يحصد من مواسمها غير الخيبة، وفي "الوعد الصادق" كانت زبقين شاهداً من جديد على الهزيمة التي منيت بها ألوية العدو، ووقّعت انتصار المقاومة بدم ثلة من أبنائها الذين تعتز بهم وترفعهم مشاعل فوق بنيانها الذي نال منه العدو تدميراً، لكنه لم ينل من إرادتها الصلبة وعزمها الذي لا يلين.‏

رئيس بلدية زبقين، الحاج أحمد بزيع "أبو علي" حاز يوماً ثقة ابناء زبقين، ولم يطلب وساماً لإنجازاته في خدمة بلدته، حتى استحق من الله الوسام الاكبر، ونال الشهادة ليغدو "ريِّس" ساحتها بجدارة.‏

الانتقاد وفي يوم الشهيد أطلت على زبقين "الشهيدة" وشهيدها ورفاقه الابرار.‏

في التحقيقات عن البلدات عادة ما نبدأ الحديث عن سيرة البلدة ونختمها بلقاء رئيس بلديتها، لكن في زبقين نبدأ من رئيس البلدية "الوعد الصادق" الشهيد الحاج أبو علي أحمد بزيع الذي قدم نموذجاً يحتذى في الصمود واحتضان اهلنا حتى اختاره الله شهيداً.‏

تربى الشهيد في بيت فطر على الإيمان والتقوى فنشأ نشأة ايمانية خالصة، أبصر النور في بلدته زبقين عام 1961 وتعلم في مدرسة زبقين الرسمية حيث أنهى المرحلة الابتدائية، ثم انتقل إلى بلدة قانا المجاورة وأنهى في مدرستها الثانوية المرحلتين المتوسطة والثانوية. مع بداية الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 تصدى الشهيد مع ثلّة من المجاهدين للعدو المحتل، وشارك في العديد من العمليات العسكرية الهامة في تلك الفترة، ولم يمنعه ذلك من أداء دوره الجهادي الآخر حيث كان أستاذاً في جمعية التعليم الديني الإسلامي، وظل أربع سنوات يؤدي دوره التربوي، ثم تفرّغ للعمل المقاوم، وكان معروفاً بين أقرانه وأقربائه بالتزامه الديني وتواضعه، لم تكن البسمة تفارق شفتيه، وكان يتسم بالهدوء والرزانة، حتى أصبح محبوباً من كل معارفه، انتخب في العام 1998 مختاراً لبلدته زبقين، وفي نفس الوقت كان مسؤولاً عن متابعة نشاطات حزب الله في البلدة.‏

في العام 2004 حاز ثقة أبناء بلدته وانتخب رئيساً لبلدية زبقين، ولم يمنعه هذا المركز وتلك المسؤوليات من إتمام دراسته الجامعية، فعاد منذ العام 2000 إلى دخول الجامعة حيث أنهى دراسته الجامعية قبل عام برغم مسؤولياته الجسام، لم يفكر الشهيد أبو علي يوماً بمغادرة بلدته في كل عدوان كبير كانت تتعرض له المنطقة، كان يبقى عيناً ساهرة ويداً مساعدة يدير الأوضاع في بلدته كما في عدوان تموز 1993م أو في عدوان نيسان 1996م، وفي العدوان الأخير في تموز 2006م، حيث بادر إلى تشكيل فريق لرفع الأنقاض عن البيت الذي دمّره الطيران الصهيوني في اليوم الأول للعدوان على رؤوس ساكنيه المدنيين، وقد استطاع هذا الفريق بإشرافه سحب إحدى عشرة جثة من تحت الأنقاض، وبقي في بلدته متنقلاً بين المواقع التي كان يوجد فيها شباب المقاومة، ومن بقي من الأهالي، مطلعاً على أوضاعهم وحاجاتهم، ومشجعاً إياهم على الصمود في وجه العدو، وتأمين كل مستلزمات البقاء والاستمرار، ولم يكن يأبه لمركزه كرئيس بلدية ولا بالمخاطر، حيث عُرف عنه شدّة يقينه وثقته بالله سبحانه..‏

الحاج أحمد بزيع أبو علي هو أب لخمسة أولاد، كبيرهم في السابعة عشرة من عمره، غذّاهم بالتربية الاسلامية الجهادية الخالصة… وبينما كان الحاج أحمد يجول هو وابن خالته المجاهد الحاج عدنان بزيع (أب لسبعة أولاد) على مواقع المجاهدين متفقداً احوالهم تعرضا لغارة جوية معادية في اليوم الحادي والعشرين للعدوان فارتفعا شهيدين إلى الرفيق الأعلى، مع شهيد مقاوم آخر هو الشهيد محمد موسى بركات.‏

الشهيد الحاج أحمد بزيع آثر إخوته ممن هم أصغر منه سناً في بيتهم، فشقيقه يوسف بزيع من المجاهدين الأبطال الذين استشهدوا في عدوان عناقيد الغضب عام 1996، وهو يؤدي واجبه الجهادي في التصدي للعدوان الصهيوني.‏

زبقين‏

إلى الجنوب الشرقي من مدينة صور، وعلى بعد 16 كلم تقع بلدة زبقين المجاهدة، التي كانت مركزاً لإمارة حسام الدين بشارة أمير جبل عامل بعد استرجاع القدس من الصليبيين عام 1187م. وآثار منازلها التي دمرها العدوان الصهيوني الأخير خير شاهد على ذلك.‏

منذ اليوم الأول للعدوان الهمجي في 12 تموز 2006 تعرضت زبقين لمجزرة رهيبة حيث قصفت الطائرات الصهيونية منزل المختار السابق المرحوم الحاج نعيم بزيع، وهو منزل كبير يسكنه أبناؤه الثلاثة وعائلاتهم فاستشهد 12 شخصاً (طفلان وشاب و9 نساء) وجرح أربعة أشخاص، وكلهم مدنيون.‏

لم يرد ذكر زبقين في الوسائل الإعلامية كثيراً إبان العدوان الذي استمر 33 يوماً، لكنك تتفاجأ حين تجول في البلدة لتجد نفسك أمام بلدة دمر معظم منازلها، بل كل منازلها، حتى يمكنك وصف زبقين بالبلدة المنكوبة، فمن أصل 380 منزلاً هي عدد بيوت البلدة، دمّر كلياً 260 بيتاً، فيما تضرر الباقي بنسبة 20 إلى 50%، وهي بيوت غير صالحة للسكن.‏

ويؤكد أهالي البلدة أن الحكومة اللبنانية لم تعوّض حتى الآن على أصحاب المنازل شيئاً، برغم أن الشتاء قد بدأ، وأكثر السكان راحوا يبحثون عن منازل تؤويهم في مدينة صور وفي القرى المجاورة، وبعضهم نصب الخيام مؤثراً البقاء في البلدة على تركها.‏

كما أدى العدوان الى تدمير محطة للمياه ومحطة للوقود وكل محطات الكهرباء والشبكة التي تغذي منازل البلدة، وشبكة المياه أيضاً، وتخربت كل شوارع وأزقة البلدة، وحتى مقبرة البلدة لم تسلم من الغارات الجوية، وكذلك مقام أثري قديم لأحد الأولياء الصالحين لم يسلم أيضاً. فيما نفق عدد كبير من مواشي البلدة (أبقار وماعز وأغنام وحيوانات الركوب) وحوالى 2000 رأس أكثرها من الماعز.‏

أما من الناحية الزراعية، فقد خسر أهالي البلدة معظم موسم التبغ، وهو المورد الاقتصادي الأساسي، ولم يستطع السكان جمع محاصيلهم الأخرى كالقمح والحبوب على أنواعها والتي كان مصيرها الاحتراق والتلف، فيما أحرقت مساحات شاسعة من الأحراج المحيطة بالبلدة والتي تتميز بكثافتها، وتنفرد بلدة زبقين عن بقية القرى بأحراجها الكثيفة، وكذلك أُتلفت معظم كروم الزيتون والتين والعنب وبقية الأشجار المثمرة. اضافة الى حوالى 200 قفير نحل. وهناك مشكلة هامة أشار اليها معظم سكان البلدة، هي كثرة انتشار القنابل العنقودية والقذائف غير المنفجرة في الحقول والأحراج، وهذا ما يعيق بل يشلّ العمل الزراعي ورعي المواشي، وهذه المشكلة برسم الحل الذي هو من مسؤوليات الدولة.‏

تاريخ في الجهاد‏

ولزبقين تاريخ جهادي عريق منذ ما قبل أيام الدولة العثمانية. فكما كانت مركزاً لإمارة "بنو بشارة" بقيت مركزاً وعاصمة لإمارة "بني وائل" الذين تتحدر منهم أسرة آل بزيع التي تشكل معظم سكان البلدة، إضافة إلى عائلة آل بركات، ومنذ سنيّ المعاناة المبكرة التي بدأها جبل عامل مع الاعتداءات الصهيونية، لم تبخل زبقين بتقديم الشهداء على هذا الطريق، وقد قدمت البلدة كوكبة من الشهداء (30 شهيداً) منذ العام 1980 وحتى العدوان الصهيوني الأخير. وفي حرب تموز الاخيرة ارتفع منها عدد من الشهداء المقاومين هم الى جانب الحاج أحمد بزيع رئيس البلدية: الشهداء الحاج عدنان بزيع، محمد موسى بركات، وكان قد سبقهم الشهيد يوسف بركات في عملية الغجر العام الماضي.‏

الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10