ارشيف من : 2005-2008
في يوم الشهيد:الشهادة المظلومة.. المنتصرة
وادَّارك علمهم في الآخرة، بل هم في شك منها، بل هم منها عمُون.. لكن هذا الانتقال هو الى الحياة وليس الى الموت، الى الوعي واليقظة لا الى الغفلة والسبات، الى الحضور الدائم الشديد لا الى الغياب والانقطاع، فالشهادة حياة والشهداء أحياء، آثارهم موجودة وإن كانت أجسادهم مفقودة، أرواحهم تظلل عالمنا وتحرسه وتبث فيه الروح والأنس والطمأنينة، ولولا عطاءات الدم للشهداء لانقطعت الأرض عن عالم الغيب.. فالشهداء في فترة الانقطاع عن الحجج هم صلة الوصل مع الشهيد الحق، وهم مصدر الفيض ومحل الكرامة، وهم من هذه الجهة الحجج على الخلق بجهادهم وتضحياتهم وبيعهم لله النفوس والأرواح.
وكلما كان الجهاد متسماً بالصعوبة والمشاق كانت حلاوة الشهادة ألذّ وأرقى، وكلما كان ميدان الجهاد وساحة الاحتكاك مع الأعداء أشد ضراوة كانت الشهادة أحلى وأبهى، وكلما كانت وحشية العدو أشد كانت الشهادة في مقابله اكثر نورانية وحجية ونموذجية.. وهذه هي حال المقاومة في لبنان في صراعها الدائم المستديم مع عدو الله وأنبيائه وعدو البشرية جمعاء، إنه الصراع الدامي القاسي شديد الضراوة، فالعدو هو "اسرائيل" المدعومة من قوى الشر في العالم، ومن دول العالم المعروف بالتحضر والتقدم والمدنية، والمجاهدون هم ثلة من المؤمنين المحاصرين الذين يتآمر عليهم الأدنون والأبعدون، ويكيد لهم الحلفاء والأعداء، ويعمل على إيذائهم من يشاركهم العيش المشترك ومن ينأى عنهم في الأوطان.. إنه جهاد مظلوم تقابله شهادة مظلومة، فالذين يقاتلون أُذن لهم بأنهم ظُلموا، لأن من حقهم ان يحيوا حياة آمنة مستقرة ليس فيها تهديد او اضطراب، ومن حقهم ان يكونوا في مأمن الى جانب أهلهم وأبنائهم والأحبة، ومن حقهم ممارسة حرياتهم وخياراتهم وتوجهاتهم في هذه الأرض، وأن يذهبوا ويجيئوا حيث شاؤوا في هذه المعمورة.. لكن عندما يواجَهون ويقاتَلون ويُضرَبون وتُوجه اليهم السهام والنيران، فإن ذلك شاهد صدق على مظلوميتهم كبشر، ففي قتالهم اعتداء على حقوقهم وعلى سائر حرياتهم.. لكن الذين ظُلِموا من المقاتلين وعدوا بأن الله على نصرهم لقدير، فالظلم والحصار والمواجهة وفرض القتال كلها عوامل سلبية في محضر الإنسانية، لكنها ليست عوامل تقدر الهزيمة للمجاهدين وتفرض الانكسار على المستضعفين، فقد وعد الله سبحانه عباده المظلومين بفرض القتال عليهم بأن الله على نصرهم لقدير، وعندها فالمطلوب من المقاتلين ان يتحملوا الظلم ويواجهوه ويبايعوا الله بيعة الرقاب، ويعضوا على النواجذ ويثبتوا في الأرض الأقدام ويقدموا، لا يفت من عزمهم اجتماع العالم عليهم، ولا يضعف ارادتهم ذلك الفارق الهائل في العديد والإمكانيات، ولا يشلّ بأسهم هدير وأزيز ورائحة الموت المنبعثة من كل مكان، ولا يجعلهم يجبنون او يحبطون او يفرون.. ذلك الإحساس بالخطر على الأهل والأحبة والديار، المطلوب منهم الثبات والاتكال على الله، والله على نصرهم لقدير.
وفي المواجهة الأخيرة كان الجهاد بارزاً في مظلوميته، الجهاد الذي يبدو للوهلة الأولى محاصرا وأفقه محدودا وخياراته ضعيفة ونتائجه محسومة بالدمار والخراب.. هذا الجهاد الذي حوصر فيه المجاهدون وتآمر عليهم العالم واجتمع في قبالتهم من أجل تدميرهم وإبادتهم وكسر إرادتهم وضرب خيار المقاومة والجهاد في عالمهم، إنه جهاد مظلوم كما عبّر عنه سماحة الإمام القائد الخامنئي (دام ظله)، بما يذكرنا بجهاد عاشوراء وبحصار سيد الشهداء والظلم الذي لحق به وبأهله وعياله وأصحابه، لكن مع فارق نوعي أن الاستجابة للمظلوم الأكبر كانت ضعيفة ومحدودة، في حين ان الاستجابة اليوم لسيد المقاومة كانت عظيمة وكبيرة وجليلة.. وما يوحد الحدثين أن من استجاب لنداء "هل من ناصر ينصرنا" كان في أصلاب الرجال، في حين ان من استجاب لنداء هيهات منا الذلة في المواجهة الأخيرة كانوا قد خرجوا الى الحياة من تلك الأصلاب المطهرة، فمن حرم الفوز مع سيد الشهداء في كربلاء لم يحرمه في كربلاء الجنوب، وكانت الاستجابة بالدماء والأرواح والأنفس وكل نفيس وغال، فالجهاد كان مظلوماً مع الإمام الحسين (ع) في كربلاء، وكذلك كان مظلوماً مع المؤمنين والمجاهدين في المواجهة الاخيرة، والشهادة في كلا المواجهتين كانت مظلومة، إلا ان الشهادة في الأولى جعلت الدم ينتصر على السيف، وفي الثانية جعلت الدم والسيف ينتصران على السيف.. وهذه ميزة اضافية للشهادة في زمن يعز فيه الجهاد والتضحية والفداء مع غياب الحجج واشتداد الفتن وتراكم الفساد وانحطاط العباد وكثرة الأعداء وقلة الأصفياء.. فالسلام على الشهداء يوم ولدوا ويوم قاوموا ويوم استشهدوا ويوم يبعثون أحياءً أنوارهم تسعى بين أيديهم، وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين..
د. بلال نعيم
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018