ارشيف من : 2005-2008

الشهادة فعل موت نتيجته الحياة

الشهادة فعل موت نتيجته الحياة

يأتي المعنى الأهم، وهو المعنى الفلسفي لتلك المفردة الغنية.‏

بدايةً إن المعنى اللغوي للفعل شَهِدَ المشتقة منه كلمة الشهادة، متعدد ومختلف، ولذلك اختُلف في أصل المعنى المأخوذ منه لفظ الشهادة أو الشهيد، واختُلف في معناه، فقيل هو شهيد لأن ملائكة الرحمة تَشهده، أو هو شهيد لسقوطه على الأرض، وهي تسمى الشاهدة، أو لأن الله وملائكته شهودٌ له بالجنة، أو لأنه يشهد يوم القيامة على من قتله، أو لأنه يَحضُرُ عند ربّه حياً، الى ما هنالك من معانٍ تُقتبس من الفعل شَهِدَ ومعانيه المتعددة، وتُسقط على المصدر (الشهادة) أو على الاسم (الشهيد).‏

أما المعنى الاصطلاحي للشهادة فهو "القتل في سبيل الله عز وجل"، فكل من قُتل في سبيل الله هو شهيد، ويلحق بهم طائفة ممَّن نص الحديث الشريف عليهم، وإن لم يُقتلوا في سبيل الله، فيكونوا شهداء أيضاً، أو بمنزلة الشهداء، كما جاء في الحديث عن الإمام الرضا (ع): "من قاتل دون ماله ورحله ونفسه فهو شهيد".‏

أما البعد الفلسفي للشهادة فهو مرتبط بعدد من الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة التي عرضت لهذا المفهوم. ففي القرآن الكريم وردت جملة من الآيات التي تحدثت بإسهاب عن واقع الشهداء الحقيقي عند الله تعالى، هذا الواقع الذي كان يخفى على الناس في عالم الدنيا، وجاء ذلك في سياقات مختلفة، نذكر منها نماذج ثلاثة:‏

ـ أولاً: قال تعالى في سورة آل عمران: "ولا تحسبن الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يُضيع أجر المؤمنين".. فالآيات القرآنية الثلاث التي تنهى عن عدِّ الشهداء مع الأموات وتفيد بأنهم أحياء عند الله تعالى يرزقون، كما هي حال الناس في الدنيا، وهم يستبشرون بإخوانهم الذين سيأتون اليهم بعد شهادتهم، إنما جاءت في سياق الرد على المنافقين "الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قُتلوا"، فقال لهم تعالى في الآية نفسها: "قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين".. ثم بين لهم مقام الشهداء عنده في الآيات اللاحقة، وشرح حالهم الذي هو حال سرور واستبشار، يمتاز عن حال أهل الدنيا في نواحٍ عدة، منها الحياة الدائمة عند الله تعالى، وعدم الخوف أو الحزن، والشعور بالفرح مع الحصول على الرزق، والاستبشار بالخير من الله تعالى، وبأنه لا يضيع أجر المؤمنين.‏

ثانياً: قال تعالى في سورة الحديد: "والشهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم".. تبين الآية الكريمة أن الشهداء عند الله، ولهم نورهم الخاص الذي حباهم الله تعالى به، ففي سياق الحديث القرآني عن المؤمنين تحدثت بعض الآيات عن نور يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، ثم تحدثت الآيات اللاحقة في السورة نفسها عن الذين آمنوا بالله ورُسُله فقالت: "أولئك هم الصدِّيقون والشهداء عند ربّهم لهم أجرهم ونورهم".‏

ثالثاً: قال تعالى في سورة النساء: "ومن يُطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصدِّيقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً".‏

تتحدث الآية عن فضل هذه الثلة من الناس والشهداء من بينهم عند الله تعالى، فهي تشير الى أن الذين يطيعون الله والرسول سيكونون مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، حيث لا تخفى درجة أولئك العظام الذين أنعم الله عليهم عنده عزَّ وجلَّ، وأن هذا الجزاء للذين أطاعوا الله والرسول هو فضل من الله عليهم، إذ جعلهم في جوار هؤلاء العظام.‏

إن الآيات القرآنية الكريمة التي تحدثت عن فضل الشهداء عند الله عز وجل، ومكانتهم ومنزلتهم الرفيعة وحالهم، رفدتها السنة الشريفة بعدد كبير من الأحاديث التي بينت عظمة الشهادة والشهداء. فقد جاء في الحديث أن "أشرف الموت قَتْلُ الشهادة"، وأن "فوق كلِّ ذي بِرٍّ (صاحب إحسان) بَرٌّ (محسنٌ) حتى يُقتل المرء في سبيل الله فليس فوقه بَرٌّ"، كما قال نبي الرحمة محمد (ص)، وأن "أفضل الناس بعد الأوصياء الشهداء"، كما قال الإمام علي (ع).‏

إن مفهوم الشهادة بأبعادة كافة قد حاز قدسية لا جدال فيها، وقد حدد القرآن الكريم والسنة الشريفة مقام الشهداء عند الله عزَّ وجلَّ، وفضلهم حتى غدت الشهادة وسيلة القرب من رحمة الله تعالى والفوز بمرضاته، فكان شهداء الإسلام منذ بدء الدعوة النبوية وإلى اليوم يصنعون بالشهادة، التي هي فعل موت للجسد، حياتهم في الآخرة..‏

وحياة الأمة بهم في الدنيا.‏

عدنان حمّود‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2006‏

2006-11-10