ارشيف من : 2005-2008
أولياء الله وعشق الشهادة
في جمع غفير من المؤمنين من كل عصر، منذ أن كان في الأرض بشر إلى يوم الناس هذا.
وما زالت هذه الظاهرة تتجدد زمناً بعد زمن وجيلاً بعد جيل على أيدي ثلة من المؤمنين الخُلصَاء إلى أن بزغت شمسها وتلألأت نجومها في أيامنا الحاضرة في سماء إيران منذ اليوم الأول لفجر الثورة الإسلامية ولا تزال، حيث اندفعت الملايين تطلب الموت فوهبها الله الحياة. والإمام القائد (رض) ذكر مراراً أن الأفراد يأتون إليه باستمرار يطلبون منه أن يدعو الله لهم كي يرزقهم الشهادة.
واليوم فإن ظاهرة الاستشهاد تعم سماء العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه، لا سيما لبنان وفلسطين والعراق، حتى أصبحت أحد أبرز معالم الحقبة الزمنية المعاصرة.
لن نتحدث عن أمير المؤمنين وأبنائه من الأئمة المعصومين وأمثالهم من الربانيين من الأنبياء والأوصياء ومن هم دونهم بدرجة، لن نتحدث عن أيٍّ من هؤلاء كنموذج لهذه الظاهرة، ففي زمن رسول الله (ص) كان العامة من الناس يأتون إليه يطلبون منه أن يدعو الله ليرزقهم الشهادة.
فهذا "خثيمة" واحد من سائر الناس يتنازع مع ابنه السبق إلى الاستشهاد، فيقترعان وتقع القرعة على الابن، فيذهب ويُستشهد.
ثم يرى الأب ولده في عالم الرؤيا يقول له: يا أبت، إنه قد وعدني ربّي حقاً، فيتصاعد شوق الاستشهاد في نفس الرجل العجوز ويهرع إلى النبي (ص) يقول له: لقد وهن عظمي وخارت قواي، لكني أشتاق إلى الشهادة، فاسأل الله أن يرزقني إياها. فدعا له رسول الله، ولم يمر عام حتى نال الرجل ما تمناه، وسقط في معركة أحد مضمّخاً بدم الشهادة.
وفي هذا الزمن، وتحديداً في هذه الأيام يتكرر المشهد نفسه: ففي العدوان الاسرائيلي الأخير على لبنان ومن على شاشات التلفزة سمع العالم كله قصص شباب المقاومة الإسلامية وكيف أنهم كانوا يتسابقون لملاقاة الأعداء من اليهود في جبل عامل، فيحسم قائدهم الأمر بينهم بالاحتكام إلى "الاستخارة".
وحين يتأمل الإنسان هذه الظاهرة يدرك أن في أعماق هذه الفئة المؤمنة شوقاً ولهفة إلى الشهادة،
لكنه لن يدرك أبداً حقيقة هذا الشوق أو سرّ هذه اللهفة ما دام ينظر إليها كما ينظر إلى سواها من الظواهر بعين العقل ومعين العقل من معارف فلسفية أو علمية.. فالشهيد إنسان تحررت روحه من قيود الشهوات الهابطة وارتفعت إلى مستوى الشهادة، فأضحى منطقه منطقاً جديداً قد لا يفهمه (العلماء) و(الفلاسفة) و(عقلاء القوم)! إنه (منطق الشهيد): منطق (الروح) لا منطق (العقل). إنه المنطق الذي لا يمكن قياسه بمنطق الأفراد الآخرين، فمنطق الشهيد أسمى.. إنه مزيج من منطق المصلح ومنطق العاشق.. منطق المصلح الذي يتضور قلبه ألماً لمجتمعه، ومنطق العارف العاشق للقاء ربه.. إنه منطق الانصهار في جسم المجتمع من أجل بعث الحياة فيه وبعث الروح في القيم الإنسانية الميتة.
إن منطق الشهادة في الإسلام لا ينفصل عن درجة اليقين الذي بلغه العبد المؤمن في إدراكه حقائق الأشياء والأمور وحقيقة الحياة. اليقين الذي لا تشوبه الشكوك ولا يعتريه اهتزاز فتختفي معه كل رهبة من قلبه، وتسود في فضائه روح الطمأنينة والسكينة، وهذا ما نجده في سيرة الأنبياء والأئمة العظام وبقية الأولياء المخلصين، ولذا نجد أن الثبات في الخطوب قليل. وهذه حال المؤمنين يوم حنين، اذ ملأت الرهبة قلوب المسلمين ـ برغم كثرتهم ـ فاهتزوا ونكصوا على أعقابهم إلا ثلة من المتقين، فأنزل الله تعالى قرآناً فيه عتاب شديد لهم.
فأولياء الله لا يعرفون الخوف، بل إن السكينة تتنزَّل عليهم لا تفارقهم. وهي "حالة إلهية" يختصّ الله بها أولياءه دون غيرهم "ثم أنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين.
ويعتقد السيد الطباطبائي أن هذه السكينة إنما هي نوع من الطمأنينة، فهي نعت خاص ووصفة مخصوصة من عند الله، ولها مصداق غير المصداق الذي نجده عند كل شجاع باسل له نفس ساكنة، لا تهبط إلاَّ على من كان عنده الطهارة القلبية: "فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم". ولذا فإن الذين ثبتوا مع الرسول (ص) في حنين والذين أنزل الله عليهم سكينته هم ثلة من المجاهدين قيل ثلاثة أو عشرة، برغم كثرة المسلمين في تلك الواقعة. وفي ذلك يقول عزَّ وجل: "ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغنِ عنكم شيئاً".
ويؤكد صاحب الميزان تلازم حالتي "السكينة" و"التقوى"، إذ إن الأولى ثمرة الثانية كما تدل آيات القرآن. يقول تعالى: "إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها".
ويتحدث الإمام الخميني (قده) عن هذه الحقيقة، فيعتبر أن هذه الطمأنينة لا تتأتى إلا من التقوى الكاملة التي على أثرها يدرك المرء ما لا يدركه الآخرون، فيمتنع عنه كل خوف وتحتجب عنه كل رهبة.
ويضيف الإمام (قده) واصفاً أهل هذه المرتبة بقوله: "فيدركون الحقائق بالعين الملكوتية والبصيرة الإلهية".
ولن نغوص في هذا المجال، ولكن نشير إلى عدد من الأمثلة التاريخية التي تظهر فيها مرتبة الشهداء من أهل اليقين الذين يدركون الحقائق بالعين الملكوتية، فيرتفعون في نفوسهم إلى "كمال الطمأنينة": ونذكر من هؤلاء أهل "الأخدود" الذين دخلوا النار وهم آمنون يذكرون الله، وذاك العبد الصالح الذي أُمر بأن يمكث في التنور فدخله ومكث فيه والنار مسجّرة، ولم يكن في نفسه حرج مما قضى إمامه. وهكذا فإن أولياء الله أمثال هؤلاء لا يعرفون إلا السكينة، ولا يهابون إلا الله، لذا فإنهم يرون في الموت انطلاقاًَ نحو المعشوق الإلهي وتحرراً من الأسر والقيد، وهذه مرتبة أسمى ما فيها حضور القلب في المعبود الرباني. ولذا فإن الإمام (قده) حين كان يتحدث عن استشهاد شهداء الحزب الجمهوري قال: "دعهم ينقذون عشاق طريق الحق من أسر الطبيعة ويوصلونهم إلى الفضاء الطلق لمجاورة المعشوق".
إسماعيل زلغوط
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/نوفمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018