ارشيف من : 2005-2008

الفريق الحاكم أمام فرصة أن يكون وطنياً والمعارضة: تمهل ولا تهمل

الفريق الحاكم أمام فرصة أن يكون وطنياً والمعارضة: تمهل ولا تهمل

جدلاً بأن هذا كان صحيحاً في فترة ما معروفة من الجميع، لكن هل هذا الادعاء ما زال حقيقياً أم أن الأمر عكس ذلك تماماً؟‏

الإجابة عن هذا السؤال ليست صعبة، ودعونا نتمعن في بعض الحقائق السياسية:‏

أولاًً: هذه الحكومة شكلت أكثرية فعلية لأنها نهضت في وقتها على التحالف الرباعي، إلا أن هذا التحالف سرعان ما انفرط عقده، لتفقد هذه الحكومة ميزة أساسية لا تتمثل في كونها حكومة أغلبية فحسب، وإنما في كونها حكومة توافق أيضاً.‏

ثانياً: ان خريطة القوى السياسية وتوزعاتها اليوم هي مختلفة تماماً عن الفترة التي قامت او تشكلت فيها هذه الحكومة، والمعادلة اليوم معروفة:‏

هناك أكثريتان تختصران طائفتين أساسيتين من الطوائف الناظمة للتكوين السياسي والاجتماعي في لبنان، يتحلق من حولهما قوى سياسية متنوعة ليست بقليلة الحجم ولا بقليلة الحيثية السياسية والجهة التي تمثل.‏

في المقابل هناك ما يشبه الأكثرية الطائفية متحالفة مع نسب طائفية هنا وهناك.‏

باختصار فإن ميزان القوى السياسي والشعبي والطائفي هو لمصلحة قوى المعارضة، وليس لمصلحة قوى السلطة.‏

ثالثاً: يحاول فريق السلطة الحاكم عبثاً الهروب من حقيقة ان تحالفه الموضوعي مع الكيان الإسرائيلي والمشروع الاميركي في المنطقة، يرتب عليه دفع فاتورة تعثر وإخفاق هذا المشروع، ودفع فاتورة هزيمة رهانه على نجاح العدو الاسرائيلي في انجاز أهدافه من عدوانه على لبنان.‏

واستناداً إلى ما تقدم هل تصبح حكومة السنيورة حكومة ديمقراطية أم مجرد شكل من أشكال الدكتاتورية، متشبهة في ذلك بأنظمة الحكم الموجودة في المنطقة.‏

لا شك في أن اصرار الفريق الحاكم على التفرد بالقرار السلطوي والاستئثار بالحكم، يعني تلقائياً ان لا هم له الا السلطة للسلطة، وأنه لا يعير أذناً للواقع الاجتماعي والشعبي والسياسي في البلاد، ويضع نفسه بالتالي في مواجهة حتمية مع هذا الواقع الأكثري، ثم يلوم المعارضة على تلويحها بورقة الشارع، من دون أن يدري، أو عن دراية، أن المعارضة اذا لم تلجأ إلى هذا الخيار اضطراراً فهي لا تصلح أن تكون ممثلة للأكثرية الشعبية في لبنان، ولا أن تشكل ضمانة لها لفرض ارادة التغيير المطلوبة.‏

وفي مطلق الأحوال لا أحد يتوقع من الفريق الحاكم أن يتنازل بسهولة عن الحكومة الحالية، ويقر بالتالي للمعارضة بأحقية مطلبها للثلث الضامن، لأن هذا الفريق يدرك أن مبرر الدعم الاميركي له انما يكمن في كونه يستطيع من موقعه كأكثرية أن يمرر ما تريده واشنطن ساعة يشاء، لكن اذا ما توافرت شروط المشاركة الحقيقية في قرار السلطة، وبالتالي حضور المعارضة في هذا القرار من موقع الحرص على وطنية القرار وتوفيره المصالح الوطنية الحقيقية للشعب اللبناني، بدلاً من الإمعان في ممارسة سياسة الاقتراض السياسي بفوائد باهظة، من شأن ذلك أن يجعل لبنان تحت المزيد من الوصاية الأجنبية (الاميركية تحديداً)، ويقحمه في صراعات مشاريع واشنطن في المنطقة، التي سمتها العامة الفتن المتنقلة.‏

وخطة الفريق الحاكم للاستئثار بالقرار واضحة وهي:‏

أولاً: تسعى لإطالة وقت التشاور قدر ما تستطيع، ادراكاً منها لحساسية الوقت بالنسبة الى المعارضة، ولرهانها على المزيد من الاستحقاقات الدولية والإقليمية.‏

ثانياً: اظهار نوع من التشاور الشكلي الذي لا يصل الى حدود إشراك المعارضة فعلياً في القرار السياسي، وكأن المعارضة تبحث عن مكان في مواقع السلطة، لا عن سبيل للحضور كمراقب وضمير وطني يسهل أن تكون قرارات الحكومة قرارات وطنية بامتياز، لا مدرجة في سياق الزبائنية السياسية التي لا هم لها سوى بيع الولايات المتحدة المواقف والقرارات المطلوبة مقابل ثمن بخس اسمه الاحتفاظ بالسلطة.‏

ثالثاً: محاولة توجيه الأنظار الى مواقع أخرى للمشكلة، وذلك من خلال ربط مطلب التغيير الحكومي تارة بملف رئاسة الجمهورية وتارة بملف المحكمة الدولية وأخرى بالقرار 1701، وكأن الذي يعطل هؤلاء جميعاً هو المعارضة، لا الجهة والطريقة التي يتعامل بها الفريق الحاكم مع هذه الملفات! فهم يعطلون موقع الرئاسة ثم يهجمون على الرئيس لحود لأنه لم يعد فاعلاً! وهم يريدون أخذ المحكمة الدولية في سياق سياسة الابتزاز لسوريا وللكثير من أطراف المعارضة ليأخذوا منهما ما لم يستطيعوا أخذه بالإكراه والضغط، ومحاولات تغيير النظام السوري تحديداً من الداخل! هذا مع العلم بأن الجميع توافق على مبدأ المحكمة، لكن يبقى الخلاف حول التفاصيل التي من شأنها ان تحولها الى أداة ابتزاز سياسي، أو الى أداة للكشف عن الحقيقة وإحقاق العدالة.‏

أما القرار 1701 فهم يريدون تمطيطه والخروج على حرفيته وروحيته، وفتحه باتجاه تعويض كل ما لم يرد فيه، وكانت واشنطن وباريس وتل أبيب تطالب به.‏

رابعاً القيام بحملة تهويل للناس من مغبة النزول الى الشارع، وذلك لضعضعة صفوفها وإحباط معنوياتها، وبالتالي التقليل من قوة اندفاعها، بحيث يقل حجم المشاركة ونوعيتها أيضاً، ما يصيب المعارضة في مقتل.‏

خامساً: اتخاذ أو إعلان الاستعداد للشروع بجملة من الإجراءات الأمنية التي من شانها أن تقلل من حجم المشاركة الشعبية، أو تمنع هذه المشاركة من التواجد في الأماكن التي من شأن الوجود فيها ان يشكل ضغطاً أكثر كثافة وقوة على الحكومة لحملها على الاستقالة.‏

سادساً: التلويح بالاستعداد مجدداً للجوء الى المجتمع الدولي، والمقصود الولايات المتحدة، من أجل استصدار قرارات جديدة تحمي الحكومة الحالية، وتطيل من عمر الفريق الحاكم.‏

كل هذه الأمور باتت واضحة ومعروفة، والمعارضة قادرة على التعامل معها، لكنها ما زالت تمنح الفريق الحاكم فرصة ليعود الى ذاته وإلى وطنه، عسى أن يعود عن قيم العشيرة والقبيلة التي تحكم سلوكه السياسي، سيما قيم الثأر والغزو والسلب. المعارضة تمهل الفريق الحاكم، لكنها لن تهمله، لأن هذا هو منطق الشعوب ومنطق التاريخ.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد 1188 ـ 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006‏

2006-11-10