ارشيف من : 2005-2008

الأديب المصري الكبير محمد جبريل يتحدث لـ"الانتقاد":جوهر الصراع "نكون أو لا يكونون"

الأديب المصري الكبير محمد جبريل يتحدث لـ"الانتقاد":جوهر الصراع "نكون أو لا يكونون"

مؤلفاً تتوزع بين رواية ومجموعة قصصية وكتاب نقدي، منها: "الأسوار"، "إمام آخر زمان"، "من أوراق أبي الطيب المتنبي"، "رباعية بحري"، "مصر في قصص كتابها المعاصرين"، "نجيب محفوظ .. صداقة جيلين"، وآخرها مجموعة قصصية عنوانها "ما لا نراه" ينطلق فيها نحو "العمق اللامرئي بوصفه تجلياً من تجليات صوفية الواقع والفن معاً"، التقيناه في القاهرة، وكان لنا معه هذا الحديث:‏

ـ كتبت روايات كثيرة، هل تندرج هذه الروايات في مشروع روائي.. هل من رؤية يصدر عنها وينطق بها؟‏

لي مشروعي الروائي الذي لا أذكر متى بدأ، أحاول أن تكون لي فلسفة حياة ليس بالمعنى الميتافيزيقي، وانما بمعنى النظرة الشاملة إلى كل ما أعايشه: السياسة، المجتمع، البشر، التاريخ، اللغة، علم الجمال، وأظن أنني ناقشت، في مجموع أعمالي، ما يمكن أن يشكل أبعاداً لهذه الفلسفة الحياتية: صلة الفرد بالجماعة، صلة المثقف بالسلطة، مقاومة القهر في الداخل والغزو من الخارج وأبعاد أخرى كثيرة، لذلك أظن أن هذا البعد أو ذاك يتكرر في أعمالي الابداعية لأن الموضوع الأساسي الذي أتناوله في قصة ما، يحتاج إلى اعادة في قصة، أو قصص أخرى، يتكرر الموضوع ويختلف التناول ، فعلى سبيل المثال، صلة المثقف بالسلطة، نجدها في "إمام آخر الزمان" وفي أوراق أبي الطيب المتنبي، و"رجال الظل"، وقاضي البهار ينزل البحر" وغيرها، ومش على ذلك بقية الأبعاد في بقية الأعمال.‏

ـ لكل كاتب كبير فلسفة حياة… كيف ترى إلى فلسفة نجيب محفوظ الروائية؟‏

قضية أن تكون للمبدع فلسفة حياة قضية تلح علي منذ بداية كتاباتي، وهي أمر وللأسف، تكاد تخلو منه ابداعات أدبائنا، أما نجيب محفوظ فأستطيع أن أحدد فلسفة حياته في ثلاثة أبعاد هي: الدين، العلم، العدالة الاجتماعية، وقد شبهت تلك الفلسفة الحياتية لأستاذنا محفوظ بأنها عربة اسمها العدالة الاجتماعية يجرها جوادان هما الدين والعلم.‏

ـ ولكن، ألا تؤثر هذه "الفلسفة" على فنيّة العمل الروائي؟‏

أنا أحرص على أن يكتب العمل الإبداعي نفسه، لا أقحم عليه مقولة ما ولا رأياً بالذات، المبدع حصيلة تجارب وخبرات وقراءات وموهبة، تتضافر جميعها في صياغة ما يكتبه من دون افتعال ومن دون العمل على ليّ ذراع العمل الأدبي، أشير في هذا المجال، الى رواية "بداية ونهاية" لنجيب محفوظ التي لم أصدق أنه كان ينوي أن تكون رواية كوميدية، لكنها انتهت على النحو المأساوي الذي انتهت اليه.‏

ـ هل يمكن القول إن الإبداع عملية عفوية ان لم نقل لا واعية؟‏

لا أذكر من قال: ان الأديب لديه أرفف غير مرئية في ذاته، كل رف يخرج في اللحظة التي يريدها الرف نفسه، من دون تعمد من الأديب لصوغ ما يخرج في تلك اللحظة التي لا يتوقعها: تجربة الكتابة عملية اشكالية، مركبة، المهم أن لا تعمّد في الأمر، وإنما عفوية، قد لا تكون مطلقة، وإنما هي في الاساس كذلك.‏

ـ كثرت الجوائز في هذه الأيام، هل تتوقع الحصول على إحداها؟‏

لا أتوقع أن أحصل على أي جائزة دولية، ولا أتوقع أن أترجم بصورة حقيقية، وذلك لأني اخترت المقاومة بعداً مهماً من أبعاد فلسفتي الحياتية، والمقاومة التي أعنيها ليست مقاومة في المطلق، وإنما هي مقاومة القهر في الداخل، وهذا مفهوم، ومقاومة العدو في الخارج، متمثلاً في الهجمة الصهيونية الشرسة التي تريد أن تجتث هويتي وأرضي ومستقبلي، أيضاً "الميديا" في العالم، كما هو معروف، تخضع للصهيونية بصورة فاضحة وواضحة، بحيث إن من يدافع عن حق في مقابل أباطيل الصهيونية فإن التعتيم هو أدنى ما يواجهه.‏

ـ ما أحدث رواياتك؟‏

أحدث رواياتي "الجودارية"، وقد بدأت في كتابتها أيام المأزق الذي عاشه عملاء الخائن "لحد"، بعد أن هُزم المحتل الاسرائيلي ودُحر من جنوب لبنان كان هؤلاء العملاء بين خيارين: إما أن يخضعوا لمن كانوا عملاء له، أو يواجهوا المحاكمة في وطنهم الذي خانوه، وفي تلك الأيام بدأت بكتابة "الجودارية"، وهي تحكي قصة الشيخ خليل البكري الذي اقترب من الفرنسيين أيام الحملة الفرنسية على مصر، وقد أولوه ثقتهم الظاهرة، فأهمل علاقة ابنته مع بونابرت، فلما خرج الفرنسيون من مصر اضطر الرجل لأن يحاول النجاة بحياته بعدما قتل المصريون ابنته الخائنة، وقد قال المؤرخ الجبرتي "فقد قطم المصريون رقبتها".‏

كانت تلك الحادثة التاريخية هي النواة التي استندت اليها في كتابة هذه الرواية، أفدت من الواقعة التاريخية، ولجأت الى الخيال لأركز على دور الشعب في المقاومة، وليس على دور السادة، وهذا ما حدث بالفعل إبان مقاومة المصريين لبونابرت، وإذ اكتفى الجبرتي وغيره بالاشارة السريعة التي لا تتعدى بضعة أسطر الى ذلك، فقد حكت الرواية قصة المقاومة الشعبية التي لا بد من أن تنتصر.‏

وهذا ما حدث أخيراً في لبنان، كنت أتمنى لو أن بعض الساسة اللبنانيين أهملوا النظرة الخاصة، وركزوا على النظرة الى مصلحة لبنان، وابتعدوا عن التحركات الخلفية والاتصالات التي لا تفيد الوطن، كنت أتمنى لو أنهم شكلوا مع المقاومة صفاً واحداً يقاوم ويقاوم.. لو أن ذلك قد حدث لتغيرت النتيجة تماماً. وكم كان يحزنني، وأنا أرى الاتهامات توجه الى المقاومة وهي تجاهد وتضحي بالأنفس دفاعاً عن الوطن.‏

ـ ماذا عن دور المثقف في مجتمعه؟‏

العلاقة بين المثقف ومجتمعه تمثل بعداً مهماً في كتاباتي، وقد حيرتي تلك الصلة الغريبة بين بعض الساسة اللبنانيين ووطنهم، وأعجب أن بعضهم يذهب الى حد تغليب الخاص على العام، والى تقديم المصلحة الشخصية على مصلحة الجماعة.‏

ـ للمثقف دور أساس في دعم المقاومة وعليه أن يؤدي هذا الدور في جميع المجالات المتاحة له.. كيف تواجه الهجمة الصهيونية؟‏

لست دموياً، ولا داعية الى العنف غير المسوغ، ولكن كيف نواجه عدواً يصنفنا بالخنافس والقردة والصراصير، ويصر على أن دولته بلا حدود لأنه يريد أن يبتلع كل الأرض العربية، يريد أن يجتث كل من في هذه الأرض وكل ما عليها، بحيث تصبح خالصة للدولة الصهيونية باسم دعاوى غريبة، وبدعم من الاستعمار الاميركي، والتواطؤ الأوروبي؟ من يحاول ذلك كيف أواجهه؟ أرفض مقولة: "نكون أو لا نكون"، هذه مقولة رومانسية وأصر على المقولة الحقيقية: "نكون أو يكونون"، هم يصرون على اجتثاثنا، ونحن نصرّ على أن نبقى، وعلى أن تبقى أرضنا لنا، ويستحيل أن تتكرر في بلادنا مآسٍ مثل مأساة الهنود الحمر..‏

حاوره: عبد المجيد زراقط‏

الانتقاد/ مقابلات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18