ارشيف من : 2005-2008

مدرسة الإمام جعفر الصادق(ع): الأصالة والغِنى

مدرسة الإمام جعفر الصادق(ع): الأصالة والغِنى

بمدرسته التي اجتمع عليها المئات من ذوي الفكر والبصيرة، حتى كانت نواة المدرسة الكبرى التي أعلى بنيانها الإمام الصادق (ع) من بعد أبيه، كما أوصى له بالإمامة.‏

الحديث عن إنجازات هذه المدرسة لا ينحصر في من درس فيها من معاصريها وإن كانوا كثيرين جداً. وإنما بما خلّفته من رؤىً وأفكار.‏

لقد أثبت التاريخ أن الذين استقوا من أفكار هذه المدرسة مباشرة كانوا أربعة آلاف طالب. وهذا يعكس ما كان لهذه المدرسة من تأثير في تثقيف الأمة الإسلامية التي عاصرتها والتي تلتها إلى اليوم. ولكن ما هو أهم من هذا هو ثبات هذه الثقافة الإسلامية على أصالتها، وسط بحر متلاطم الأمواج من الثقافات الوافدة المتعددة المشارب والألوان. حيث أثبتت البحوث أن غيرها من الثقافات المنتشرة بين المسلمين إنما انحدرت عن الأفكار المسيحية واليهودية بسبب الدَّاخلين منهم، أو ملونة بصبغة فلاسفة اليونان والهنود الذين ترجمت كتبهم إلى العربية، فبنى المسلمون عليها أفكارهم وكوَّنوا بها مبادئهم.‏

ولم تبق مدرسة فكرية إسلامية حافظت على ذاتيتها ووحدتها وأصالتها في جميع شؤون الحياة كما بقيت مدرسة الإمام الصادق (ع). وذلك لثقة "التابعين" بها وبأفكارها، حتى أنهم كانوا ينقلون عنها الروايات فماً بفم، وإذا كتبوا شيئاً لا ينشروه إلاّ بعد الإجازة الخاصة ممن رووا الأفكار عنه.‏

وإذا عرفنا بأن الثقافة الإسلامية - الشيعية منها أو السنية - كانت وما زالت تعتمد على الأئمة من معاصري الإمام الصادق (ع) كالأئمة الأربعة ممن توقف المسلمون السنة على مذاهبهم فقط. وإذا عرفنا بأن معظم هؤلاء الأئمة أخذوا من هذه المدرسة أفكارهم الدينية، حتى أن ابن أبي الحديد، صاحب تفسير نهج البلاغة، أثبت أن علم المذاهب الأربعة راجع إلى الإمام الصادق في الفقه.‏

إذا عرفنا ذلك صح لنا القول بأن الثقافة الإسلامية الأصيلة ترجع إلى الإمام الصادق (ع) وإلى مدرسته فقط.‏

أما الشمول والغنى الذي اتسمت به مدرسة الإمام الصادق(ع) فيتبدى في الوفرة الوافرة من الأحاديث التي وردت عنه (ع). فمن المعروف والمسلّم به تاريخياً بأنه لم يُروَ عن أحد من الأئمة الاثني عشر(ع)، بل عن المعصومين الأربعة عشر وفيهم رسول الله (ص)، بقدر ما رُوي عن الإمام الصادق (ع). ولقد جمع المتأخرون من الشيعة ما روي عنهم في مجلدات ضخمة: فكان "البحار" للمجلسي ويحوي مئة وعشرة مجلدات. وكان "جامع الأخبار" للنراقي. وكان "مستدرك البحار" للقمي. وقد احتوت غالبية هذه الكتب ونظائرها على أحاديث الإمام الصادق (ع) وأكثرها في الفقه والحكمة والتفسير وما إلى ذلك من العلوم الإسلامية الأخرى.‏

وجاء أن محمد بن مسلم وهو أحد تلامذته(ع) الأفذاذ قد روى (حفظ) عنه ستة عشر ألف حديث في مختلف العلوم. ناهيك عن الكثرة الكثيرة من أمثاله ممن رووا عن الإمام (ع) حتى قال قائلهم: رأيت في هذا المسجد - أي مسجد الكوفة - تسعمئة شيخ كل يقول: "قال جعفر بن محمد". ومن هؤلاء أبو حنيفة الذي كان يردّد ويقول عن نفسه: "لولا السَّنتان لهلك النُّعمان".‏

أما سائر العلوم التي بثها الإمام(ع) في شتى حقول المعرفة المعروفة آنذاك فيحدثنا عنها "الجاحظ" بقوله: "فجّر الإمام جعفر بن محمد (ع) ينابيع العلم والحكمة في الأرض، وفتح للناس أبواباً من العلوم لم يعهدوها من قبل حتى ملأ الدنيا بعلمه". وللوقوف على أبعاد هذا الكلام، يكفي أن نعرف بأن تلميذاً واحداً من الملتحقين بهذه المدرسة ألّف زهاء خمسمئة رسالة في الرياضيات كلها من إملاء الإمام الصادق (ع). وهو جابر بن حيان المعلم الرياضي الشهير الذي لا يزال العالم يعرف له فضلاً كبيراً على هذه العلوم وأهلها.‏

وجابر بن حيّان واحد من جمٍّ غفير من الذين تخصصوا على أيدي الإمام في مثل هذه العلوم, أبرزهم هشام بن الحكم المتخصص في المباحث الكلامية والفلسفية، وزُرارة ومحمد بن مسلم في العلوم الدينية، وسواهما في غير ذلك من العلوم كالطب والكيمياء.‏

غير أن هذه العلوم لم يصل إلى أيدينا منها إلاّ الشيء القليل، حيث ذهب معظمها ضحية الخلاف السياسي الذي أعقب عصر الإمام، فكم من كتب مخطوطة وغير مخطوطة للشيعة أحرقتها نيران المنحرفين (مكتبة الفاطميين بمصر التي كانت تضم أكثر من ثلاثة ملايين كتاب مخطوط). وكم من كتب ابتلعتها أمواج دجلة والفرات وأحرقتها مطامع العباسيين ببغداد والكوفة وهجمات التتار والمغول على المدينة وغيرها من المدن الإسلامية، وكم من محدّث واسع المعرفة جمّ الثقافة ظلت العلوم هائجة في فؤاده لا يستطيع لها نشراً خوفاً من إرهاب العباسيين وإجرامهم. فهذا ابن أبي عمير ظلَّ في سجون بني العباس مدة طويلة، وما كتبه في هذه المدة لم يعرف طريقه إلى الناس وبقي إلى جانبه في السجن حتى عفن وأكله التراب.‏

إذا عرفنا كل ذلك أمكننا معرفة مدى شمول ثقافة هذه المدرسة العالم الإسلامي ومدى سعة أفقها الرحيب.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18