ارشيف من : 2005-2008
بعد تحديد الهوية وتشريع الحقوق:المرأة صنو الرجل في الإسلام
البدئية غير المسبوقة، أو تلك التي ألغت ما كان معمولاً به قبلها من أحكام وقوانين وأعراف، ناتجة عن تحريف ديني، أو عُرف اجتماعي أو قَبَلي جائر، تعرضت هي ذاتها للتحريف، نتيجة عاملين أساسيين، أولهما عدم الالتزام بالنص كما جاء به الإسلام، وثانيهما عدم فهم جوهر تلك الأحكام الغائية، المعلَّلة منها أو الوقفية، التي جاءت من الشارع المقدس، الأعلم بالمصلحة الاجتماعية، وبما ينظمها، ومن أبرز مصاديق تلك المفاهيم والتشريعات التي تعرضت للتحريف، هو حكم المرأة في الإسلام، حيث إن الإسلام قد حدد هوية المرأة، ودورها في المجتمع، فأنصفها، وأخرجها مما كانت فيه من ظلم واضطهاد، ترسَّخا على مدى أحقاب مديدة من الزمان، بدءاً من العصور السالفة في زمن الفرس واليونان والرومان، وصولاً الى العصر الجاهلي الذي كان متأثراً بتلك الحضارات، حيث كانت المرأة في حال مزرية، ويقع عليها الجور دون أن تجد من يقول كلمة في وجه الجائرين عليها، فضلاً عن عدم حصولها على أي حق اجتماعي مكتسب، نتيجة النظرة الدونية التي كانت متسلطة عليها، فجاء الإسلام وقال كلمته الفصل في كل ما يتعلق بالمرأة، فحدَّد هويتها الإنسانية أولاً "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم"، وواسى بينها وبين الرجل بعد تحديد الأصل الواحد، في تحقق الأجر لكليهما معاً جزاءً على العمل الصالح ثانياً، فقال تعالى "ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة"، وذم كل من آذى المرأة ولو معنوياً "وإذا بُشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم * يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّر به أيُمسكه على هُوْن أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون"، فهذه الآيات القرآنية قالت إن المرأة إنسان، وهي صنو الرجل في الخلق، ولها كرامتها وفضلها وأجرها في الدنيا والآخرة، سواء كانت ابنة، أو أماً، أو أختاً، أو زوجة، الى ما هنالك من مصاديق للمرأة، ثم توالت الأحكام والتشريعات التي تنصف المرأة في وضعها الأسري الخاص بعد أن أنصفتها في وضعها الاجتماعي العام، فصار للمرأة حقوق ثابتة لا مجال لإنكارها، فاشتركت مع الرجل في بعض منها، وامتازت عنه في بعضها الآخر، ومنها:
ـ الإرث: كان العرب يَحرمون النساء مطلقاً من الميراث، وكذلك الصغار من الأولاد، ومثلهم كان الرومان واليونان، أما الفرس فكان رجالهم يورِّثون المرأة ذات الحظوة عندهم دون غيرها من نسائهم، فجاء التشريع الإسلامي ليناقض ما كان عليه أهل الجاهلية من العرب، فضلاً عن الأمم السابقة، من عدم توريث المرأة، فقال تعالى: "للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قلَّ منه أو كثر نصيباً مفروضاً".
ـ المهر: كان دأب الأمم السابقة مع المرأة أنها تباع وتشترى، وأمرها بيد وليها، كالأب والزوج، فيحق له بيعها أو وهبها، أو سداد دينه بها، فجاء الإسلام وألغى كل هذه العناوين، وشرَّع للمرأة حقاً بالحصول على المال الخاص بها، وهو المهر المفروض لها حين الزواج، وذلك بحسب اتفاقها ـ أو اتفاق وليها برضاها ـ مع الزوج، وهو ما عُرف بالمصطلح القرآني بـ"الصَّداق"، الذي تحوزه المرأة بزواجها من الرجل، ولا يحق للرجل أن يأخذ منه شيئاً إلا برضاها، قال تعالى: "وآتوا النساء صَدُقاتهن نِحْلةً فإن طبن لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً".
ـ النفقة: وهي حق مفروض للمرأة على زوجها، وفق التشريع الإسلامي، ويتضمن ما يؤمِّن لها عيشاً كريماً يليق بحالها، وقد جاء ذكر النفقة في السنة الشريفة بشكل مفصل، ومرَّ ذكره في القرآن الكريم، قال تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضَّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم".
ـ الطلاق: وهو سنة من سنن الإسلام "الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان"، وهو حق للرجل والمرأة (يمكن للمرأة أن تشترط أن يكون أمر طلاقها بيدها في عقد الزواج، فضلاً عن طلاقها بأمر الحاكم الشرعي إذا كان زوجها يظلمها ويرفض تطليقها)، والطلاق في الإسلام جاء مخالفاً للكثير من الأعراف والقوانين الوضعية التي كانت تُملِّك الرجل رقبة المرأة، ولا تجيز لها الانفصال عنه، حتى لو كان ظالماً لها، فضلاً عن تلك التي لا تجيز للزوجين الانفصال عن بعض مهما كانت الأسباب.
لقد جهد الإسلام من خلال تشريعاته منذ بواكير الدعوة النبوية الى الإيمان، للقضاء على جميع أصناف الظلم اللاحق ببني الإنسان، وخص المرأة بحظ وافر من التشريعات التي تحفظ حقوقها، وتصونها، وتعيد لها كرامتها المهدورة، فآمنت المرأة بالإسلام، وكانت شهيدة ومبايعة ومجاهدة ومهاجرة وعابدة ومنفقة وسائحة، فصارت صنواً للرجل في الإسلام.
عدنان حمّود
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018