ارشيف من : 2005-2008

تسرّعت حكومة السنيورة في إقراره بما تضمّنه من أخطاء :أبرز العيوب القانونية في نظام المحكمة ذات الطابع الدولي

تسرّعت حكومة السنيورة في إقراره بما تضمّنه من أخطاء :أبرز العيوب القانونية في نظام المحكمة ذات الطابع الدولي

دون التمعّن ملياً في بنودها وفقراتها القانونية، وإشباعها درساً وتمحيصاً، ومنع أيّ تسرّب سياسي محتمل من خلالها إلى لبنان يزيد من إحكام الطوق الدولي عليه إرضاءً للنفوذ الأميركي المهيمن على مجلس الأمن، والملغي للدور الشفّاف المنتظر من الأمم المتحدة كحاضنة للدول والشعوب من دون تمييز ولا تفرقة.‏

وقد تضمنّت المسوّدة بصيغتها المنقّحة والمعروضة على الحكومة اللبنانية بحلّتها الجديدة، تصحيحاً لبعض الشوائب والثغرات التي كان أضاء عليها رئيس الجمهورية العماد إميل لحود في ملاحظاته على المسودة (غير الرسمية)، وقد تمّ الأخذ ببعضها كما يستشفّ من قراءة المسوّدة "الرسمية" ومقارنتها بسابقتها، وهو ما لم تفعله حكومة السنيورة الشباطية، ولا وزارة العدل ممثّلة بمتولّي حقيبتها الوزير شارل رزق، والتي كانت تتعاطى مع إنشاء هذه المحكمة بطريقة سياسية بعيدة كلّ البعد عن القانون ومصلحة لبنان العليا، التي هي فوق كلّ الاعتبارات، وذلك بغضّ النظر عن أهمية القضية المنوي البتّ فيها ومعرفة القتلة الحقيقيين للرئيس الحريري وسوقهم إلى العدالة.‏

ويقول أحد القانونيين البارزين لـ"الانتقاد" ممن تسنّى لهم الإطلاع على النصّ الرسمي باللغة الإنكليزية لمسوّدة مشروع إنشاء المحكمة، إنّ هذه المسوّدة صحّحت الكثير من الخلل الذي كان مستشرياً في المسوّدة السابقة، ومنها على سبيل المثال، آلية اختيار القضاة، وإلغاء تعبير "جريمة ضدّ الإنسانية"، وفكّ الارتباط الذي كان يراد عقده بين جريمة اغتيال الحريري وجرائم الاغتيالات ومحاولات الاغتيال والتفجيرات التي شهدها لبنان بين 2 تشرين الأول/أكتوبر من العام 2004، و12 كانون الأول/ديسمبر من العام 2005، ولكنّها قد تصبح من اختصاصها في حال العثور على رابط ما بينها وبين جريمة اغتيال الحريري.‏

ويرى هذا القانوني الذي له علاقة وثيقة بهذه المحكمة، بأنّ أبرز التحسينات التي طرأت على النصّ الجديد هو إيجاد قاض لما قبل المحاكمة يدقّق في القرار الإتهامي الصادر عن المدعي العام الدولي، ويفصل بين القرار الإتهامي والمحكمة مع صلاحية تخوّله إبطال القرار المذكور ومنع المحاكمة إذا ما اعتبر أنّ الأدلة غير مسندة إسناداً كافياً وليست دامغة.‏

أما الثغرات الموجودة في متن هذه المسودّة والتي تحتاج إلى توضيح وتصحيح لإزالة الغموض المتشعّب فيها فهي:‏

* ضرورة إيجاد آلية قابلة للتطبيق وعملانية، لطلب ردّ القضاة وتنحيتهم، وردّ طلب قاضي ما قبل المحاكمة والمدعي العام إذا ما تبيّن أنّ هنالك أسباباً تدعو إلى الارتياب المشروع في حياده حتّى لا تتكرّر على مستوى المحاكمة تصرّفات رئيس لجنة التحقيق الدولية السابق القاضي الألماني ديتليف ميليس ورئيس فريق المحقّقين العاملين معه الشرطي غيرهارد ليمان، وهي تصرفات مخالفة للقانون وتوجب محاكمتهما على ما فعلاه من مسّ متعمّد بالأصول القانونية الدولية المتعارف عليها. وقد عجز وكلاء الدفاع عن الضبّاط الأربعة اللواءين جميل السيد، وعلي الحاج، والعميدين مصطفى حمدان، وريمون عازار، طوال سنة ونصف السنة، وهي مدّة توقيفهم حتّى الآن، عن طلب ردّهما بعدما لمسوا مخالفتهما الجسيمة، علماً بأنّ مبادئ الأمم المتحدة تقول إنّه لا شرعية لأيّ حكم يصدر عن قاضٍ لا يمكن طلب ردّه أو تنحيته. وعلى سبيل المثال إذا تبيّن أنّ هذا القاضي عميل لجهاز "الموساد" الإسرائيلي أو قبض رُشى ممن لهم علاقة ما بهذه القضية، أو مارس ضغوطاً معيّنة على المحامين كما فعل ليمان مع اللواء السيّد مرّات عدّة، فأين يقدّم طلب تنحيته؟‏

* لا وجود لآلية واضحة عن كيفية ربط الجرائم الأخرى بجريمة اغتيال الحريري، وبمعنى آخر فمن يقرّر ووفقاً لأيّة آلية، أنّ جريمة ما مرتبطة بجريمة اغتيال الحريري أم لا.‏

* إنّ آلية اختيار القضاة للمحكمة مقبولة، ولكنّ آلية اختيار نائب المدعي العام، وهو لبناني، محصورة بالحكومة اللبنانية، ومن الممكن أن يكون هذا الاختيار سياسياً، لذلك فإنّه يتوجّب أن يتمّ الاختيار كما بالنسبة للقضاة اللبنانيين، بناءً لاقتراح مجلس القضاء الأعلى، على أن يكون لوكلاء الدفاع عن المدّعى عليهم والمتهمين، الحقّ بطلب ردّ أو تنحّي نائب المدعي العام كما هي الحال لأي قاض آخر. ولا يجوز على الإطلاق انتقاء القاضيين اللبنانيين رالف رياشي وشكري صادر المقرّبين من وزير العدل شارل رزق في هذه المحكمة لسبب بسيط وهو أنّهما كوّنا رأياً مسبقاً من خلال حضورهما المستمرّ للاجتماعات التنسيقية مع لجنة التحقيق الدولية، واطلعا على الكثير من الخفايا والخبايا والكواليس في هذه القضية. والقانون اللبناني واضح في هذا المجال لجهة منع أيّ قاض من التدخّل أو أن تكون له أيّة علاقة بدعوى عادية يتابع النظر فيها، فعندها لا بدّ من إحالته على التفتيش القضائي، ومن ثمّ هيئة التأديب تمهيداً لطرده من القضاء مع إمكانية محاكمته. وتجدر الإشارة إلى أنّ المحكمة تتشكّل من درجتين، الأولى تتألّف من ثلاثة قضاة بينهم قاضٍ لبناني واحد، والدرجة الثانية تتكوّن من خمسة قضاة، بينهم قاضيان لبنانيان.‏

ـ يجب إيجاد آلية لطلب التعويض من الأمم المتحدة عن أيّ خطأ جسيم يرتكبه المدعي العام أو قاضي ما قبل المحاكمة، أو قضاة الحكم، ويؤدّي إلى إلحاق الضرر بالمشتبه بهم أو المحكوم عليهم.‏

ـ لقد حصرت المادة 18 من نظام المحكمة حقّ إصدار مذكّرات التوقيف بقاضي ما قبل المحاكمة، والتي يصدرها بناءً على طلب المدعي العام، ولكنْ ثمّة نقص يتمثّل في أمرين اثنين هما: عدم النصّ على مبدأ الوجاهية على مستوى قاضي ما قبل المحاكمة، حيث إنّ المادة 18 لا تلزمه باستطلاع رأي فريق الدفاع قبل اتخاذ إجراءات التوقيف، وقبل تثبيت القرار الإتهامي، كما أنّه لا توجد آلية ما لاستئناف قرارات قاضي ما قبل المحاكمة على غرار ما هو حاصل مع المحقّق العدلي اللبناني.‏

ـ لا يوجد نصّ على إخلاءات السبيل ولا على التدابير البديلة عن التوقيف، والتي يمكن أن يتخذها قاضي ما قبل المحاكمة مثل المنع من السفر، والإقامة الجبرية، وهذا أمر مستغرب ويدعو إلى الاستهجان، فكيف تنص المادة 18 على الحقّ بإصدار مذكرات التوقيف دون النصّ على الحقّ بتقرير إخلاءات السبيل؟‏

وفي ظلّ غياب هذه التعديلات تصبح صلاحيات قاضي ما قبل المحاكمة غير مراعية لمعايير المحاكمات الدولية وخصوصاً لحقوق الدفاع، وصارت شبيهة بصلاحيات المحقق العدلي اللبناني القاضي إلياس عيد الذي لا يمكن الطعن بقراراته لعدم وجود هيئة اتهامية تنظر في ما قد تتضمّن قراراته من أخطاء ومخالفات قانونية.‏

وقد أكّد نظام المحكمة بطريقة واضحة لا لبس فيها، أنّ طلب القاضي ميليس بتوقيف الضبّاط الأربعة غير قانوني، فالمادة 11 من هذا النظام لا تعطي المدّعي العام حقّ التوقيف، كما أنّها لا تعطيه للجنة التحقيق الدولية.‏

هذه بعض الأخطاء الفادحة التي لم تنتبه لها حكومة السنيورة الشباطية، ولم تتحرّك انطلاقاً من مسؤوليتها الوطنية لتعمل على معالجتها حفاظاً على مبدأ إحقاق الحقّ ومعرفة الجناة الحقيقيين للراحل رفيق الحريري.‏

علي الموسوي‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18