ارشيف من : 2005-2008
التعديل الوزاري للحكومة العراقية .. استحقاقات الداخل والخارج
تركت اثارها وتأثيراتها واضحة على الوضع العام في العراق، لا سيما بشقيه الامني والخدماتي.
وحتى الان لم تتضح طبيعة ذلك التعديل والوزارات المشمولة به بالتحديد، لكن ما هو معلن عنه انه سيحسم خلال فترة اقصاها نهاية العام الجاري، أي في ظرف شهر ونصف من الان، وكذلك فإنه من المفترض ان يطال التعديل وزارات من حصة الائتلاف العراقي الموحد الذي يعد الكتلة البرلمانية الأكبر، ومن حصة كتلة التحالف الكردستاني وحصة كتلة جبهة التوافق العراقية، وحصة كتلة الوطنية العراقية.
واذا كان ضعف اداء بعض الوزارات ذات الطابع الامني والخدمي هو الدافع الابرز وراء طرح خيار التعديل الوزاري خلال الشهرين الماضيين بقوة، فإن ضغط عامل الوقت على رئيس الحكومة المكلف نوري المالكي المحكوم بسقف زمني دستوري بتشكيل حكومته لا يتعدى الثلاثين يوما من تاريخ تكليفه من قبل مجلس الرئاسة، ادى الى قبوله ببعض الخيارات ـ الاسماء المرشحة ـ المطروحة امامه دون ان يكون بالضرورة مقتنعا بها قناعة كاملة، ولعل هذا ما دفعه الى التصريح بعد وقت قصير بنيته اجراء تعديل وزاري، اضافة الى تصريح اكثر من سياسي من اتجاهات مختلفة بنفس السياق، والتشديد على ضرورة اجراء تغيير ما في هيكلية الحكومة.
وهذا يعني ان نية ـ او قرار ـ التعديل الوزاري كانت خيارا مطروحا ومقبولا منذ وقت مبكر من عمر الحكومة، لتتحول فيما بعد ومع ضعف اداء عدد من الوزارات الى مطلب ملح بالنسبة لاطراف عديدة، فضلا عن رئيس الوزراء نفسه.
وكان من المزمع ان تكون قضية التعديل الوزاري اولى القضايا التي تطرح للبحث والنقاش عند استئناف مجلس النواب العراقي جلساته للفصل التشريعي الثاني مطلع شهر شهر ايلول/ سبتمبر الماضي، بيد ان مشروع قانون الاقاليم (الفيدرالية) فرض نفسه على ما سواه من القضايا.
ويبدو ان مبدأ المحاصصة المعمول به في كل ترتيبات واجراءات العملية السياسية في العراق منذ خطواتها الاولى سيكون حاضرا بقوة في استحقاقات التعديل الوزاري المرتقب، وسواء كانت الوزارات المشمولة بالتعديل اثنتي عشرة وزارة كما ذكر قبل عدة اسابيع النائب عن الكتلة الصدرية في الائتلاف الموحد بهاء الاعرجي، او كما اشار عباس البياتي النائب التركماني في الائتلاف بأن عشر وزارات مشمولة بالتعديل، ففي كلتا الحالتين فإن نصف الوزارات المشمولة هي من الوزارات التي يتولى مسؤوليتها وزراء محسوبون على كتلة الائتلاف، والنصف الاخر من المشمولة بالتعديل ـ التغيير ـ هو من الوزارات التي يتولى مسؤوليتها وزراء محسوبون على كتل التحالف الكردستاني وجبهة التوافق والعراقية.
وتتوقع مصادر مطلعة ان يشمل التعديل وزارات الصحة والنقل والاسكان والاعمار والداخلية والاتصالات والنفط والكهرباء والتعليم العالي والبحث العلمي الى جانب عدد من وزارات الدولة.
ويرجح سياسيون ان يطالب رئيس الوزراء الكتل المعنية بترشيح ثلاثة اسماء لكل وزارة بشرط ان يكونوا من التكنوقراط ويتمتعون بخبرة علمية وعملية في مجال اختصاصهم حتى تكون له حرية واسعة في الاختيار بعيدا عن ضغط عامل الوقت والتجاذبات السياسية من اتجاهات مختلفة.
ولكن في ذات الوقت فإن بعض المطلعين على جانب مما يدور خلف الكواليس يؤكدون انه من الخطأ التعويل كثيرا على التعديل الوزاري المرتقب لاسباب عدة منها، ان الازمات والمشاكل المرتبطة بالجانبين الامني والخدماتي لا تتمحور في جوهرها حول ضعف اداء وزراء الوزارات الامنية والخدمية بقدر ما يتعلق بطبيعة التجاذبات والصراعات السياسية بين الفرقاء السياسيين، والتي لا يطفو في معظم الاحيان الا جزء منها على السطح، والسبب الاخر هو ان بعضا من تلك المشاكل والازمات تبدو في بعض الاحيان مستعصية عن الحل بفعل استشراء عاملي الارهاب والفساد الى مستويات خطيرة جدا، او انه حتى لو كانت ممكنة الحل فهي في واقع الامر تحتاج الى وقت طويل، وان كان الوزراء المعنيون من التكنوقراط، والسبب الاهم ـ والابرز ـ هو دور الاحتلال في ايجاد الكثير من المشاكل والازمات، وتعمده بالتلكؤ والتباطؤ في المعالجات والحلول، هذا اذا كانت لديه الجدية في ذلك.
أي ان الوزراء ـ وخصوصا في الوزارات ذات الطابع الامني، وحتى رئيس الوزراء باعتباره القائد العام للقوات المسلحة ـ لا يمتلكون صلاحيات كاملة لتطبيق آليات ومناهج عمل يقتنعون بها، وقد يكون ما قاله رئيس الوزراء قبل اسابيع من انه لا يستطيع تحريك سرية عسكرية واحدة بدون التنسيق مع القوات المتعددة الجنسيات يمثل مؤشرا على حقيقة الواقع الصعب والمعقد الذي تخضع له الحكومة في ظل الاحتلال الأجنبي للبلاد.
وحتى بالنسبة للوزارات ذات الطابع الخدمي الذي يمس احتياجات الحياة اليومية للمواطنين مثل النفط والكهرباء فإنها تخضع في أداء واجباتها ووظائفها "لأجندات" قد تكون بعيدة كل البعد عن طبيعة اختصاصاتها، لتنعكس سلبيات ذلك الاداء وعدم توفير التخصيصات المالية اللازمة لتأمين الحماية واعادة اصلاح البنى التحتية وتوسيع المشاريع الضرورية، على عموم المواطنين.
والى جانب كل العوامل والظروف والملابسات التي تحيط بخيار التعديل الوزاري وسياقاته فإنه لا يمكن القفز على انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الاميركي، وما افضت اليه من نتائج لا بد ان تؤثر بهذا المستوى او ذاك على المشهد السياسي العراقي، من خلال قيام صناع القرار في واشنطن بإعادة النظر في أولويات التعاطي مع الملف العراقي، وما يفرضه من ضغوط على كبار الساسة العراقيين للقيام بما يفرضه الواقع الجديد اما للتكيف معه، او ربما للسعي لتحقيق مكاسب وانجازات من خلاله، يستشعرها المواطن على الأرض لا من خلال الخطب والشعارات والبيانات فقط.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018