ارشيف من : 2005-2008

أميركا اللاتينية.. أيضاً وأيضاً

أميركا اللاتينية.. أيضاً وأيضاً

عندما لم يتمكن الدعم الأميركي المستميت لغواتيمالا من إيصالها إلى أحد المقاعد العشرة غير الدائمة في مجلس الأمن. لكن جون بولتون أصر بفعل المكابرة والاستكبار، على أن الولايات المتحدة قد حققت فوزاً مبيناً بمنع فنزويلا من الوصول إلى ذلك المقعد! علماً بأن فوز بنما لم يكن غير تسوية وسطى بعدما فشلت جولات الاقتراع السبع والأربعون التي أجريت في الجمعية العمومية في حسم الموقف لمصلحة فنزويلا أو غواتيمالا. وعلى ذلك فإن بنما لن تكون أداة طيعة في يد واشنطن داخل مجلس الأمن.‏

ومن جهة أخرى عاد العدو اللدود لأميركا، السانديني دانييل أورتيغا، إلى الحكم في نيكاراغوا، بعد إبعاده عنه طيلة ستة عشر عاماً، سبقتها سنوات من الصراع ضد عصابات الكونترا المدعومة أميركياً.‏

صحيح أن فوز أورتيغا قد تحقق لا بسبب قوة حزبه فقط، وإنما أيضاً بسبب تشتت خصومه اليمينيين وفساد سياساتهم، وأنه لن يكون من السهل عليه إدارة البلاد بالمشاركة مع مجلس نيابي لا يمتلك الأكثرية فيه، ما جعله يواتر توجيه الرسائل التطمينية حول سياسته التي لن تكون ثورية من الطراز الأورتيغي القديم، إلا أنه من الصحيح أيضاً أنه وقف مع كاسترو وشافيز وموراليس في هافانا قبل أشهر، وتعهد بالوفاء لمبادئ الثورتين البوليفارية والساندينية، وبالانضمام إلى اتفاقية آلبا (المبادرة البوليفارية) المطروحة ندّا لاتفاقية التجارة الحرّة بين الأميركيتين.‏

وقد علق كاسترو على فوز أورتيغا قائلاً إن هذا الانتصار السانديني الكبير يملأ شعبنا فرحاً، ويضرب مصداقية الحكومة الأميركية الإرهابية والقاتلة. أما شافيز فقد أعرب عن ابتهاجه لأن الشعوب تنهض من جديد، ولأن الثورات الساندينية والبوليفارية تتحد على طريق بناء اشتراكية القرن الحادي والعشرين. وبفوز أورتيغا تكون أكثر من عشرة بلدان في أميركا اللاتينية قد خرجت من حديقة البيت الأبيض الخلفية، ودخلت مساراً يسارياً يتراوح في توجهاته بين ثورية شافيز وكاسترو وموراليس وانفتاح ميشيل باشليه على السوق الحرّة في الشيلي، مروراً بصيغ وسطية على مستوى العملاقين البرازيلي والأرجنتيني. لكن الأكيد أن زخم التعاون الاقتصادي وضخامة المشاريع الإنمائية المشتركة بين جميع بلدان أميركا اليسارية تنبئ بإمكانيات نهوض متزايد، خصوصاً في ظل الاكتشافات الأخيرة التي بيّنت أن مخزون فنزويلا النفطي يزيد عن المخزون السعودي، في قارّة تتمثل إعاقتها الأساسية بالفقر الناجم عن عقود من التبعية للسياسات الأميركية.‏

يضاف إلى ذلك أن التسونامي اليساري الذي يعصف حالياً بأميركا اللاتينية لم يتوقف، فقبل شهرين احتدمت المعركة الانتخابية في المكسيك بين اليميني كالديرون واليساري أوبرادور، وجاءت النتيجة الرسمية لمصلحة الأول، فيما وجه الثاني اتهامات بالتزوير، وقام بتشكيل حكومة موازية.. ما يعني أن المكسيك، الشريك الأول لواشنطن في أميركا اللاتينية، باتت قابلة للانتقال إلى المعسكر الآخر بين لحظة وأخرى، خصوصاً بعد الإجراء العدائي الذي قامت به الولايات المتحدة ببناء جدارها "العنصري" بينها وبين المكسيك. وبعد أيام، في 26 تشرين الثاني/ نوفمبر ستجري الدورة الثانية من الانتخابات الرئاسية في الإكوادور بين اليساري رافائيل كورييا الذي لم يتمكن من الفوز في الدورة الأولى أمام صاحب المليارات آلفاروا نوبووا. وأغلب الظن في حال عدم فوزه أن الإكوادور ستعيش فترة من الوقت على النموذج المكسيكي، بحكومتين أو بحكومة يمينية عاجزة عن الحكم. وبذلك تبقى كل من كولومبيا والبيرو بكل ما فيهما من مشاكل مزمنة وصراعات مسلحة وغير مسلحة، خارج السرب اللاتيني. ولكن إلى متى في ظل الانكفاء الأميركي الشامل؟‏

ع.ح‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18