ارشيف من : 2005-2008

بوش بين الهزيمة والمكابرة

بوش بين الهزيمة والمكابرة

الانتخابات بترجمة نفسها على مستوى بنية الحكم في أميركا، ومن ثم على مستوى التوجهات السياسية للإدارة التي سيقودها الرئيس بوش، خلال العامين المتبقيين من ولايته، بشكل لم يعد من الممكن له، على الأرجح، أن يكون استمراراً للسياسة التي اعتمدها المحافظون الجدد، بشكل خاص، منذ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر، وإعلان الحرب على ما يسمى بالإرهاب.‏

فعلى مستوى بنية الحكم، جاءت استقالة، أو إقالة، وزير الحرب ومهندس الحرب على العراق، دونالد رامسفيلد، بمثابة صفعة للرئيس بوش الذي كان قد أصر، قبل أيام، على تمسكه بإبقاء رامسفيلد في منصبه، برغم الاستياء المتصاعد في الأوساط المدنية والعسكرية على السواء، إزاء أخطائه وتجاوزاته في إدارة الحرب في العراق. ويبدو أن صفعات أخرى تنتظر بوش إذا ما استمر الديموقراطيون في الإصرار على مطلبهم القاضي بإبعاد جون بولتون عن منصبه كممثل لواشنطن في منظمة الأمم المتحدة، في ظل توقعات تذهب إلى أن خطر الإقالة يتهدد أيضاً نائب الرئيس وكبير مهندسي سياساته، ديك تشيني... وكل ذلك على طريق إخراج بوش والجمهوريين من البيت الأبيض عند، وربما قبل، انتهاء ولايته عام 2008.‏

وعلى المستوى نفسه، جاء مشوباً بالمرارة اضطرار بوش ترشيح الجمهوري روبرت غيتس لخلافة رامسفيلد في وزارة الحرب، بالنظر إلى توجهات هذا الأخير البراغماتية لجهة دعوته إلى الحوار، بدلاً من المواجهة، مع إيران وسوريا، ولجهة معارضته لعقيدة المحافظين الجدد العسكرية المستندة إلى الضربات الوقائية، ولفكرة الحرب على العراق استناداً إلى التقارير الاستخبارية الكاذبة بخصوص أسلحة الدمار الشامل، إضافة إلى رؤيته المغايرة للرؤيتين الأميركية والإسرائيلية بخصوص سلام الشرق الأوسط. كما أن روبرت غيتس هو أحد العاملين في لجنة بيكر ـ هاميلتون المولجة أمر النظر في كيفية الخروج من المأزق العراقي، والتي بات من الواضح أنها ستوصي بانسحاب تدريجي سريع من العراق.‏

وفي غضون ذلك، كان الرئيس بوش يبدي استعداده للتنسيق الكامل مع الكونغرس حول جميع الأمور الهامة. إلا أن هذا الاستعداد لا يبدو جدياً بما فيه الكافية إذ، فيما يتعلق بأهم هذه الأمور، أي حرب العراق، لا يزال الرئيس بوش مصراً على عدم الخروج من العراق دون تحقيق النصر، على حد تعبيره. وهو وإن كان يعترف بحدوث الكثير من الأخطاء، فإنه يعد الأميركيين باستراتيجية جديدة من شأنها تحقيق النتائج المرجوة. وهو يحظى في ذلك بدعم ماك كين السناتور الجمهوري الذي سبق له أن نافس بوش على الترشح لتمثيل الجمهوريين في البيت الأبيض، والذي يعتمد الآن منهج المزايدة عبر المناداة بإرسال أعداد جديدة من الجنود الأميركيين إلى العراق. لكن الذين يشكون في قدرة بوش على تحقيق هدفه بعد سلسلة الهزائم في العراق وفي غير العراق، وهم سيحتلون مواقع مؤثرة في الكونغرس، من أمثال كارل ليفين الذي سيرأس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، وجوزيف بيدن الرئيس المقبل للجنة العلاقات الخارجية، يدعون إلى بدء الانسحاب في غضون أربعة أو ستة أشهر، وعقد مؤتمر دولي حول العراق تشارك فيه إيران وسوريا وتركيا.‏

وفي وسط هذه التجاذبات، وصل رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهودا أولمرت، إلى واشنطن، ويبدو أنه نجح في تثبيت بوش على موقفه الابتدائي، في ظل الرهان البوشي على الدعم اليهودي حتى من داخل الحزب الديموقراطي، وذلك بمقدار ما دفع بوش إلى الربط بين الحوار المباشر مع إيران بالتخلي عن برنامجها النووي، والربط بين الحوار مع سوريا وبين تعديل سياساتها تجاه لبنان وتجاه حركات المقاومة الفلسطينية. وربط كل ذلك بموقفهما الإيجابي تجاه المشكلة العراقية، مع معارضة شرسة من قبل أولمرت لفكرة الانسحاب من العراق.‏

ذلك يعني، فيما يعنيه، أن الرهان على عودة بوش إلى التعقل قد نسفها أولمرت، في بادرة من شأنها أن تضع كلاً من بوش المصفوع في الانتخبات النصفية، وأولمرت المصفوع في حربه على لبنان، في موقع المغامرة الهوجاء والتعرض الحتمي للمزيد من الصفعات.‏

ولم يكد بوش وأولمرت يفرغان من توافقهما هذا حتى جاءهما الغوث سريعاً من المصفوع المشرف على الطرد من منصبه، توني بلير، الذي تحدث، بالتوازي مع الحديث المتجدد عن البعبع الإرهابي الذي يتهدد بزعمه المدن البريطانية والغربية، تحدث بلغة الصياغات البدائية الأولى للحرب على الإرهاب، ولكن ليس دون تناقض بين دعوته للحوار مع سوريا وإيران، وبين التهويل عليهما بالمقاطعات الاقتصادية في حال تقاعسهما عن المشاركة "الإيجابية" في هذا المجال.‏

وكما كان لزيارة أولمرت تأثيرها الملموس على موقف بوش، جاء تطور الوضع الفلسطيني في أعقاب الفيتو الأميركي على مشروع القرار العربي الداعي لإدانة "إسرائيل" بسبب جريمتها في بيت حانون، ليقلب الطاولة في وجه المخطط الأميركي الإسرائيلي، لجهة اتفاق الفلسطينيين على حكومة وحدة وطنية، ولجهة اتفاق وزراء الخارجية العرب، بعد أيام من الدعوة التي وجهها الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصرالله، على كسر الحصار المفروض على الفلسطينيين وعلى الحكومة الفلسطينية. تطور من شأنه أن يعيد فلسطين إلى الواجهة، إلى جانب العراق ولبنان، وأفغانستان، على مستوى التوجه الجديد نحو حل تساهم فيه القوى الفاعلة في المنطقة، وهو الحل الذي سينجم عنه، بنظر العديد من المراقبين، وضع يفضي إلى إخراج أميركا من المنطقة، بشكل مشابه لخروج بريطانيا وفرنسا منها في أعقاب حرب السويس، عام 1956.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18