ارشيف من : 2005-2008
حالات وفاة وإجهاض وتقطيع أوصال الفلسطينيين:8 معابر حولت الضفة إلى كنتونات
شفقة على مريض أو مصاب أو غيره، الأهم سلامة وأمن الإسرائيليين على المعبر وعلى غيره.
وكان الذنب الذي ارتكبته بشرى محمد سلطان ابنة الثلاثين عاما أنها فقدت وعيها حين كانت في شهر حملها الثالث، في بيتها بقرية حارس قضاء سلفيت، أثناء تأدية أعمال منزلية اعتادت على القيام بها يوميا... وسريعا حملها أشقاؤها في طريق مرعبة إلى أحد مستشفيات مدينة نابلس، بعد أن رفض أطباء القرى المجاورة الحضور لعلاجها إلى منزلها في القرية.
العاشرة والنصف ليلا
انطلق بشار وشقيقه وشقيقته بشرى إلى مدينة نابلس، وقبل ذلك... وعلى حاجز زعترة (يسميه الصهاينة اليوم معبراً) كانت المأساة، كانت الساعة العاشرة والنصف من مساء يوم الاثنين 18/9/2006، والسيارة تقريبا وحدها على الحاجز، وعشرات الجنود المتخوفين من حدوث أي عمل على الحاجز.
يقول بشار شقيق بشرى ان الجنود منعوهم من اجتياز المعبر، متذرعين بأنهم هم من سيقدمون الإسعاف لشقيقته، وخاصة أن حالتها أصبحت صعبة جدا، لكن المماطلة كانت السمة البارزة في الأمر.
يضيف بشار: "وعندما وصلت سيارة الإسعاف الإسرائيلية، وجاء الأطباء بعد ساعة ونصف تقريبا من الانتظار، طلبوا منا عدم الاقتراب من الأطباء الذين يعالجون أختي بشرى، واخبرونا بأنهم سيقدمون لها العلاج المناسب، وإجراء المطلوب من إعطاء العلاج وغيره... توفيت بشرى بين يدي المسعفين الإسرائيليين، الذين ادعوا بأنهم سيهبونها الحياة فور علاجها".
وتعكس مأساة عائلة بشرى سياسة إسرائيلية ربما ليست بالجديدة، ولكنها سريعة المفعول وتؤدي الهدف المعلن الذي أنشأت من أجله، وتخفي في الوقت نفسه بين ثناياها أهدافا وأبعادا أخرى لا تظهرها للعيان، لكنها لا تختفي كثيرا فسرعان ما تبينها عنجهية الاحتلال وغطرسته.
وعدا عن مأساة الحواجز التي يفوق عددها 160 منتشرة في الضفة الغربية، تتبع سلطات الاحتلال الصهيوني إجراءات مستجدة تعلن من خلالها تحويل حواجز ثابتة ومعروفة بأهميتها إلى معابر لا يسمح بالتنقل عبرها في أغلب الأحيان إلا بواسطة تصاريح وأوراق خاصة.
مخطط إسرائيلي
في مقابلة مع الدكتور علي عبد الحميد مدير مركز التخطيط الحضري في جامعة النجاح الوطنية بنابلس أكد أن هذه المعابر الإسرائيلية آخذة بالازدياد، وأن لها مخططا إسرائيليا مدروسا، وان أهدافها غير تلك التي نسمع عنها.
وقال الدكتور عبد الحميد: "هناك سياسة تهدف إليها إسرائيل بإقامتها تلك المعابر، أو حتى تحويل الحواجز البسيطة إلى معابر كبيرة، وهذا الأمر لا يقتصر فقط على العامل الأمني، وإنما له أهدافه الأخرى ومنها: تقسيم الأراضي الفلسطينية إلى كنتونات صغيرة بحيث يمكن السيطرة عليها وتجزئتها، والفصل بين المناطق الحيوية والحساسة، ومن أمثلة ذلك المعابر التي تفصل غزة عن الضفة، والحواجز التي تفصل شمال الضفة عن غربها، بحيث يُفصل كل جزء لوحده".
وأضاف الدكتور علي موضحا الأهداف الأخرى من هذه المعابر "هذه الحواجز تعزز السيطرة أكثر، حيث تختار الأماكن والنقاط المفصلية وشرايين الحركة، وبالتالي يمكنها أن تضاعف من معاناة المواطنين، بحيث يتم إشعار الناس مسبقا بأهمية هذه المعابر، فيمنع من هم في سن صغيرة من اجتيازها، أو حتى يمنع من لا يحملون تصاريح خاصة من المرور، ويستوقف كل مار ويفتش بدقة متناهية، وتضبط الأمور عليها أكثر، وذلك بزيادة عدد موظفيها وأفراد الحراسة، وربما يكون لهذه المعابر مردود اقتصادي أيضا، بحيث يضع المواطنون جمركا أو غرامة مالية على أنفسهم من خلال التصاريح أو حتى على بضائعهم".
المعبر ام الحاجز سيان!
ويعرف الدكتور عبد الحميد الحاجز والمعبر مبينا الفرق بينهما، حيث أن الحاجز هو عبارة عن ممر للمواطنين، يستخدم للفصل بين منطقتين، ولا يكون نواحي أمنية مشددة، ولا أماكن إنشائية أو أبنية، وقد يكون دائما، وهذه الحواجز متغيرة من فترة لأخرى.
أما المعبر وكما يراه الدكتور عبد الحميد فهو يأخذ صفة الديمومة أكثر، وله أبنية وإنشاءات كبيرة ومتعددة، وهناك ممر خاص عليه للمواطنين وآخر للسيارات والشاحنات، وفيه أجهزة تفتيش عالية، ويأخذ صفة الرسمية.
ويؤكد الدكتور علي عبد الحميد أن هذه المعابر مقارنة بالسابق أصبحت متطورة جدا، وفيها العامل الأمني أكثر فعالية، "ولكن هناك أهداف أخرى كمصادرة الأراضي وقتل مساحات زراعية بجانب المعبر، ومنع إقامة الأبنية والمنشآت على بعد اقله 500 متر مربع، والحد من التجمعات السكانية القريبة من بعضها، وغير ذلك من الأهداف الإسرائيلية".
وأكد عبد الحميد المتخصص بالمخططات والخرائط الفلسطينية، أن هناك أهدافا اجتماعية أيضا، تتمثل بقطع العلاقات الاجتماعية والحد من تواصل المواطنين ببعضهم البعض، وقطع الطرق، وبالتالي إجبار الناس على سلك طرق التفافية تكلفهم أضعافا من وقتهم وجهدهم. وإفقادهم للامان.
وأوضح الدكتور أن المعابر التي تقيمها إسرائيل تعتبر سياسة مخططا لها بدقة عالية سابقا، وقال: "هناك مشاريع الآن مخطط لها للاستيطان وحتى عام 2050، وحتى الشوارع الالتفافية وشبكة الأنفاق وطرق الفصل بين الفلسطينيين واليهود والجدار العازل، كل ذلك خطط له، ومنه ما ترجم على أرض الواقع".
ويشير الدكتور عبد الحميد إلى أنه لم يكن هناك رد فعل رسميا حول هذا الموضوع "المعابر"، وإنما كان بشكل شعبي، بإقامة تظاهرات وندوات احتجاج وغير ذلك، إلا انه لم يرفع إلى شكوى دولية غير تلك التي رفعت لمحكمة العدل الدولية نتيجة بناء جدار الفصل العنصري.
وذكر الدكتور علي عبد الحميد، أن من بين 160 حاجزا منتشرا في الضفة الغربية، هناك 8 معابر يتعامل معها الاحتلال كنقطة مرور الى مناطق مستقلة، ويشترط للعبور منها استخدام تصاريح خاصة.
وتلك المعابر التي تعتبرها إسرائيل حيوية، هي معبر قلنديا قضاء رام الله، ومعبر كيسوفيم بغزة، ومعبر ايرز، ومعبر تركوميا في الخليل ومعبر الحمرا في أريحا، بالإضافة إلى معبر زعترة ومعبر حواره ومعبر عورتا التجاري وكلها بنابلس. مشيرا إلى إمكانية إزالة إسرائيل لبعض الحواجز والمعابر التي تعتبرها غير أساسية، لكنه حذر من توسيع المعابر الرئيسية وفرض قيود أكبر عليها.
حالات وفاة كبيرة
وحسب المعلومات الصادرة عن مركز المعلومات الوطني الفلسطيني فإن الاحتلال تسبب بوفاة مئات المدنيين على الحواجز العسكرية المنتشرة على مداخل المدن والقرى الفلسطينية وفي محيطها.
وأوضحت وزارة الصحة في تقرير لها ارتفاع عدد الحوامل اللواتي أجهضن بسبب تعمد الجنود الإسرائيليين منعهن من الوصول إلى المستشفيات والمراكز الصحية للولادة إلى أكثر من 60 حالة.
وفي تقرير لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية، يقول ان إغلاق الطرق وإقامة المعابر والحواجز يعتبر بمثابة كارثة إنسانية في الضفة وغزة، كما يمنع من وصول الخدمات الأساسية.
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018