ارشيف من : 2005-2008
على خلفية الهزيمة في لبنان: الاستقالات تتوالى في الجيش الإسرائيلي وتكاد تصل الى رئيس الأركان
واجتماعيا وداخل المؤسسة العسكرية. فبعد استقالة قائد المنطقة الشمالية اللواء أودي أدم على خلفية تحميله مسؤولية النتائج الكارثية التي حلت بالجيش، بادر قائد فرقة الجليل العميد غال هيرش إلى الاستقالة. وفرقة الجليل هي الفرقة التي كان لها الدور الأساس في المعارك الضارية التي شهدها الجنوب اللبناني، وخاصة في القطاع الغربي منه، وتحديدا في مناطق مارون الراس وبنت جبيل وعيتا الشعب. وكذلك هي المسؤولة عن المنطقة التي تمكن فيها مجاهدو المقاومة من أسر جنديين إسرائيليين وقتل ثمانية آخرين في 12 تموز/ يوليو الماضي.
في هذا السياق لا بد من التذكير بأن ما نشهده من تحقيقات واتهامات متبادلة واضطراب سياسي داخلي في كيان العدو، ما كان ليحصل لولا ان الجيش تعرض لهزيمة قاسية سارع القادة السياسيون والعسكريون الى تقاذف المسؤولية عنها في ما بينهم. ولو أن العدو نجح في عدوانه لكنا نشاهد الآن وسائل إعلامه وهي تعرض البطولات الأسطورية والتسويق للنظريات والتكتيكات العسكرية التي اعتمدها الجيش، ولشهدنا إسهابا في الحديث عن المزايا الاستثنائية للجندي الإسرائيلي والمزايا التكنولوجية للأسلحة التي يمتلكها. إلا أن الواقع مغاير كليا لهذه الصورة المفترضة.
ويبدو من تسلسل الأحداث ان العميد هيرش قد "استُقيل" من منصبه ـ لكون هذا التعبير يجمع بين الاستقالة والإقالة ـ خاصة بعدما نشرت وسائل الإعلام الإسرائيلية بعضا من مضمون نتائج التحقيق الذي توصلت اليه لجنة "الموغط"، التي أوكل إليها مهمة التحقيق في ظروف أسر الجنديين، ومن ضمنها توصية بإقالة هيرش من منصبه وتحميله مسؤولية ما حصل.
ما يمكن تأكيده أن إقدام الجنرالين أدم وهيرش على الاستقالة وهما المسؤولان المباشران عن الحرب في جنوب الليطاني خاصة، ليس حالة عابرة ناتجة عن تزامن عرَضي فرضته تقاطع أحداث معينة أو مصادفة في التوقيت، ولإعفاء أنفسنا من عناء التحليل والاستدلال يكفي عرض واحدة من الشهادات المعبرة عن واقع الجيش الإسرائيلي بعد العدوان على لبنان.. فقد نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن ضابط رفيع المستوى، وهو التعبير الذي يقصد به في الكثير من الأحيان عضو في هيئة الأركان العامة للجيش، "إن الجيش الإسرائيلي يشهد إحدى أكبر الأزمات في تاريخه"، وإذا لم تحدث "هزة أرضية حقيقية ولم يتحمل رئيس الأركان (دان حلوتس) مسؤولية شخصية ويستقل، فإن الوضع سيتفاقم". معتبرا أنه ليس أمام حلوتس أي خيار آخر، بل "كل يوم لا ينصرف فيه فإنه يلحق ضررا بالمؤسسة العسكرية". ويذهب الضابط إلى حد تأكيد أن "الجيش لم يسبق أن شهد أزمة كهذه، فهذه أكبر حتى من أزمة حرب يوم الغفران (عام 1973). قائد الفرقة استقال، قائد المنطقة استقال، وعلى رئيس الأركان أيضا أن يكون التالي في الدور. الحدث لم ينتهِ في قيادة المنطقة الشمالية، والإخفاقات هي إخفاقات هيئة الأركان التي يترأسها".
أضف الى ذلك حقيقة لا تقل أهمية، وهي أن هناك جوا سائدا من انعدام الثقة تشهده الساحة الإسرائيلية، وصل إلى حد اهتزاز ثقة الجمهور الإسرائيلي بقيادته السياسية والعسكرية على حد سواء، وهو ما ينبئ بأخطار جمّة، أقلها التأثير السلبي في الحافزية القتالية أو في التطوع في الجيش.. كما يبدو واضحا "وجود أزمة ثقة حادة في الجيش بين القيادة العليا والقيادات الميدانية.. وهي أزمة لم يشهد الجيش الإسرائيلي لها مثيلا أبدا"، إلى حد أن أحد الجنرالات اعتبر ان الجيش لم يشهد في أعقاب كل الحروب التي خاضها أزمة قيادة كما يواجه الآن.
واستنادا إلى الجو الذي تعكسه وسائل الإعلام الإسرائيلية عن الوضع السائد في الكيان الإسرائيلي، يمكن التقدير أن الكرة لن تقف عند قائد فرقة الجليل، بل ستواصل تدحرجها صعودا.. وليس من المستبعد ان تصل سريعا إلى رئيس الأركان، خاصة ان "نصف جنرالات الجيش يدعون الى إقالة حلوتس" من رئاسة الأركان.. (هآرتس/ 14/ 11/ 2006).. وهذا ما يعزز فرضية أن أحدى أهم عيوب القيادة العليا خلال الحرب وقبلها كانت ـ وربما ما زالت ـ تكمن في رؤيتها الاستراتيجية. وكمؤشر على ما تقدم نقلت صحيفة "هآرتس" (15/ 11/ 2006) استنادا إلى المشاورات التي أجراها حلوتس في الأيام الأخيرة، يبدو أنه "سيستقيل من منصبه اذا حمّلته لجنة التحقيق مسؤولية عن إخفاقات الحرب"، خاصة "عملية خطف الجنديين" من قبل مجاهدي حزب الله.
ومن غير المستبعد ان تتدحرج الكرة أيضا لاحقا باتجاه القيادة السياسية المسؤولة، وتحديدا وزير الدفاع عمير بيرتس ورئيس الحكومة إيهود أولمرت.
واختصارا في تقديم صورة عن الواقع الذي آلت إليه المؤسسة العسكرية في "إسرائيل"، نختم بما تشهده الساحة الإسرائيلية من محاولة تقاذف المسؤولية عن الفشل، وهي الحالة التي عادة ما تسود الأنظمة والمؤسسات التي تواجه الهزيمة. وسبق أن شهدنا العديد من هذه النماذج سابقا، فقد حمَّل العميد هيرش المستقيل، الاستخبارات العسكرية المسؤولية عن الإخفاق الذي حصل، لكونها لم تقدم أي إنذار حول إمكانية تنفيذ عملية أسر في المنطقة التي جرت فيها، لأنه وفقا لما قاله هيرش، "على ضوء الوضع الذي تشكل على الحدود منذ انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان، لم يكن من الممكن تقريبا منع عمليات الخطف من دون إنذار مسبق". ولعل أخطر ما قدمه هيرش قوله إنه كان لدى "أمان" "معلومات عن عملية الخطف هذه، لكنها لم تنقلها الى الفرقة" التي يقودها!!
الانتقاد/ تحت المجهر ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018