ارشيف من : 2005-2008

حكومة الفريق الحاكم ميتة تنتظر من يدفنها

حكومة الفريق الحاكم ميتة تنتظر من يدفنها

الشيطنة والحكمة، وإليكم هنا بعض وجوه التقابل بين الاثنتين:‏

ـ الشيطنة هي في جوهرها فنّ التزيين والإضلال والخداع، ولذا هي أيضاً في جوهرها تتطلب مهارة تسويقية لا يمكن أن تتأمن من دون قدرات إعلانية. فالتسويق والإعلان هدفهما تزيين السلعة من خلال ستر معايبها، وإظهار ما ليس فيها من محاسن. ولذا فهي تنشد المتخيل وتشتغل على المحسوس والرغائبي لتحاكي المشتهى، بل ولتسعره باعتباره الوقود الضروري لالتهام السلعة المسوّقة من دون وعي، أو أي التفات لما فيها من عيوب ومثالب وأخطار.‏

وبهذا المعنى فالشيطنة لا تخاطب الواقع ولا تريد أن تراه، بل على العكس تماماً، هي تقفز منه في حركات بهلوانية ظناً منها ووهماً أنها بذلك تكسره وتغلبه.‏

وما تنشده الشيطنة هو جمهور أعمى، جمهور هو أقرب إلى القطيع الذي يمكن سوقه إلى الذبح من دون دراية منه.‏

والشيطنة أيضاً لا تنظر إلا في مرآة ذاتها، فهي توسط ذاتها بينها وبين الآخرين، حيث المطلوب من الجميع أن يصبحوا أدوات لإشباع نهمها الجنوني نحو الاستحواذ، ولا مكان للآخر المختلف.. فالمختلف في نظرها إما أن يكون تابعاً وإما أن يكون متماهياً، ولا خيار آخر. هذه النزعة الأنوية ـ الاستكبارية ـ المتعجرفة هي مقتل الشيطنة الرئيسي، برغم توهمها أنها مصدر قوتها. وهي التي توهم المتشيطنين بأن قدرتهم على الخداع غير محدودة، وأنه بإمكانهم تمرير خداعهم بسهولة، وأن الآخر مخدوع مخدوع.. لكن في حقيقة الأمر فإن هؤلاء لا يخدعون إلا أنفسهم، ولكن لا يشعرون.. ولا يمكرون إلا بأنفسهم من حيث لا يعلمون.‏

ـ أما الحكمة فأمر آخر، فهي تتوخى المعقول تطلبه حثيثاً، لأن حديثه حديث المنطق والعقل. وهي اذا تتقن أمورها وتحكمها فلأهداف تتجاوز الذاتي والخاص.. فهي تتطلع إلى العام، ولذا كانت رأسمال رجال الدولة، لا محترفي الدجل السياسي. وهي تتدبر الواقع، تقرأه بعناية ودقة، تحاول الإمساك بتوازناته وإمكاناته، وسبر الخير الذي فيه، من خلال نظرة شمولية ومستقبلية في آن.‏

بعد هذه المقابلة السريعة بين الشيطنة السياسية والحكمة السياسية، نستطيع الإيغال في قراءة شيطانات الفريق الحاكم، وإليكم بعضها:‏

أولاً: كلنا يعلم أنه عندما أخذ الرئيس بري بفكرة التشاور، في محاولة منه لاحتواء الوضع المحتقن وتجنيب البلاد المواجهات في الشارع، وهذا كان منه حكمة كبيرة، فإن الفريق الحاكم أوقع بيده وأظهر تردداً واضحاً، معتبراً عرض الرئيس بري التشاوري فخاً له. ولذا وجد نفسه حائراً بين القبول والرفض، إلى أن خرج بنتيجة مفادها أنه لا يستطيع الرفض، كما لا يستطيع قبول التشاور بأجندته المعروفة.‏

وهنا تماماً جاءت الشيطنة: لنلتف على التشاور من خلال فرض عناوين أخرى على الطاولة بقوة البحث، ولنعمل على تضييع الوقت والمماطلة، لأن من شأن ذلك تحقيق جملة من الأهداف:‏

ـ تبديد الجاهزية الشعبية للمعارضة، وذلك من خلال التظاهر بوجود مناخات توافقية.‏

ـ شراء المزيد من الوقت للـ:‏

أ ـ المزيد من التعبئة المضادة، والتحضير الأمني والسياسي في الفريق الحاكم.‏

ب ـ تمرير بل تهريب مسودة نظام المحكمة الدولية، وذلك في توقيت مريب، حيث بدا توقيت إرسالها متزامنا مع البحث في مسألة حكومة الوحدة الوطنية، وفي الوقت الذي كان الفريق الحاكم يعمل على تسويق نوع من المقايضة بين نظام المحكمة وحكومة الوحدة الوطنية.‏

ـ اضافة الى ما تقدم، كان الفريق الحاكم يحضّر نفسه لاحتمالات ردود الفعل على سياسته هذه، سيما إصراره على نهجه الاستئثاري في السلطة.‏

فلقد كان مقدراً أن الفريق الحاكم انما ذهب الى التشاور لإفشاله، وأنه سيبقى مصراً على الوضع الحالي للحكومة، وأنه سيضرب بكل مساعي التوفيق عرض الحائط، وكذلك الدعوات الداعية الى إعادة إنتاج الحالة الوطنية على قاعدة التوافق والإرادة الجامعة، وبما يحصن الوحدة الوطنية.‏

في هذا المناخ جاءت استقالة وزراء أمل وحزب الله والوزير يعقوب الصراف، كتعبير أقصى واعتراض نهائي وحاسم على النهج الآنف.‏

وإمعاناً من الفريق الحاكم في إظهار براعته الشيطانية، حاول قلب الصورة، فعمد الى تصوير الاستقالة كأنها اعتراض على المحكمة الدولية، برغم معرفة وتيقن هذا الفريق بأن مبدأ المحكمة الدولية بات وراءنا، سواء من خلال إقراره في جلسة مشهورة لمجلس الوزراء، أو من خلال جلسات الحوار المشهورة أيضاً. وللتذكير فقط إن أسرع بند أُقرّ على طاولة الحوار آنذاك هو بند المحكمة الدولية. وهدف الفريق الحاكم من ذلك لا يخفى على أي بصير:‏

أولاً: إخفاء أصل المشكلة، وهو أن هذا الفريق لا يريد العدالة ولا الحقيقة ولا الاقتصاص من القتلة الفعليين، بقدر ما يريد تحول المحكمة الى أداة ابتزاز سياسية في يد واشنطن تمكنها من تطويع إرادات ومواقف قوى إقليمية وداخلية معروفة.‏

ثانياً: إقامة نوع من الربط المذهبي البغيض بين الاستقالة وإقرار نظام المحكمة الدولية، بحيث يجري التمويه على حقيقة الدوافع التي أملت الاستقالة، ومحاولة وضع طائفة بكاملها في موقع الإدانة، خصوصاً في ظل مواكبة ذلك بحملة تجييش مذهبية، ظناً من هذا الفريق أنه بذلك يخدع أبناء مذهبه، ويتمكن من إعادة شد عصبيته المذهبية من حوله، بعدما تراخت قبضته عنها وأخذ كثيرون يرسمون مسافة عن سياسته.‏

ثالثاً: العودة الى معزوفة الأخوّة وإظهار مودة زائفة لفريق المعارضة، ظناً من هذا الفريق أنه بذلك يتمكن من تحويل ما جرى الى أمر واقع، ليعود الى ممارسة سياسة التسويف والمماطلة، ليشتري عمراً زائفاً لسلطته، ولفرض أمر واقع جديد بعناوين جديدة.‏

لكن ما لم يلتفت اليه الفريق الحاكم هو:‏

ـ ان شيطنته باتت مفضوحة، وموقفه أثناء الحرب ودعمه العدوان الإسرائيلي أسقط عنه ورقة التوت التي كان يتستر بها. من هنا فإن عملية خداعه للشعب اللبناني لم تعد "تنطلي" إلا على صاحب مصلحة أو من باع نفسه للشيطان، سواء درى أو لم يدرِ.‏

ـ ان الاستقالة لها معنى واحد هو كشف حدود المأزق السياسي ـ الوطني العام الذي دفع اليه الفريق الحاكم عن سابق تصور وتصميم، وأن ما بعدها هو غير ما قبلها.‏

ـ ان حكومة الفريق الحاكم بعد الاستقالة باتت ميتة بالمعنيين السياسي والدستوري، وهي تنتظر مراسيم الدفن. فإما أن تختار دفناً لائقاً وإما أن تختار الدفن الذي تستحقه، وكل محاولات الفريق شراء الوقت لحكومته ولسلطته هي مجرد ضرب من الخزعبلات التي لا تغني ولا تسمن من جوع.‏

بعد هذا كله، ألا يكون الفريق الحاكم قد لف حبل مشنقة شيطنته حول عنقه، لتخليه عن الحكمة المطلوبة التي منح فرصة أخيرة لاسترجاعها مؤخراً، لكنه أصرّ على تضييعها.‏

مصطفى الحاج علي‏

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد 1189 ـ 17/11/2006‏

2006-11-18