ارشيف من : 2005-2008

اغتيال الجميّل.. عودة الفوضى الهدّامة إلى الساحة: المعارضة تتريث وتتهيأ لإكمال برنامجها والرد على حملات التجني

اغتيال الجميّل.. عودة الفوضى الهدّامة إلى الساحة: المعارضة تتريث وتتهيأ لإكمال برنامجها والرد على حملات التجني

الاميركية لإنقاذ مشروعهم الذي بدأ بالانهيار قي المنطقة بعد الصمود والممانعة خصوصاً في لبنان، وبعد خسارة الجمهوريين أمام الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة. وظهر على الأرض ما كانت توقعته وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس قبل نحو شهرين، من اغتيالات ستطال شخصيات في فريق الرابع عشر من شباط! حيث جاءت عملية اغتيال الوزير بيار الجميّل في توقيت تتحضر فيه المعارضة لخيار ديمقراطي سلمي ضد حكومة الوصاية الاميركية لإعادة تصويب المسار، فأدى ما جرى إلى خلط أوراق حاول الفريق السلطوي استغلاله في وجه المعارضة، مثلما كان استغل ملف المحكمة الدولية لإحباط تشكيل حكومة اتحاد وطني خلال جلسات التشاور.‏

الأسبوع المنصرم كان انطلق على وقع الخطاب المهم للأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله أمام اللجان التحضيرية للتحركات الشعبية، والذي حدد فيه معالم المرحلة المقبلة وخطة التحركات التي ستسلكها المعارضة لتحقيق واحد من مطلبين: إما حكومة وحدة وطنية وإما انتخابات نيابية مبكرة عبر الخيار السلمي في الشارع. وعلى هذا الأساس كانت بدأت التحضيرات العملية واللوجستية لأفرقاء المعارضة عبر اجتماعات مع الكوادر الحزبية بانتظار ساعة الصفر للنزول الحضاري إلى الشارع، وهو ما جرى بين يومي السبت والثلاثاء الماضيين. وهذا الواقع الهجومي للمعارضة تهيب منه فريق السلطة وراعيه الاميركي بشكل كبير، لأن استمراره كان سيصل إلى نتيجة محتومة توجّه ضربة قاتلة للمشروع الاميركي في لبنان، لذا حاول مواجهته على أكثر من صعيد.‏

أولاً: بث هذا الفريق كماً هائلاً من الشائعات عن عمليات تخريب وشغب ستحصل في الشارع لترهيب المواطنين وإخافتهم لدفعهم الى العزوف عن المشاركة في تحركات المعارضة. وساهم في بث هذه الشائعات الثلاثي: جعجع وجنبلاط والحريري.‏

ثانياً: حاول فريق السلطة الحاكمة ترميم الجرّة التي كسرها مع رئيس مجلس النواب نبيه بري عبر عمليات الغدر في آخر جلسات التشاور، وبادروا بعد عودته من زيارته الرسمية الى طهران للتواصل معه عبر الوزير غازي العريضي والسفير السعودي عبد العزيز خوجة، وطالبوه بإعادة إطلاق التشاور على صيغة حكومية أعدها السفير الاميركي في بيروت جيفري فيلتمان، وتقضي بتوسيع الحكومة الى ثلاثين وزيراً وإعطاء الفريق الحاكم تسعة عشر وزيراً وتسعة للمعارضة وإبقاء وزيرين حياديين "يوافقان على المحكمة الدولية ولا يستقيلان".‏

هذا الاقتراح الذي حمله أكثر من مبعوث وتبناه لاحقاً السنيورة والحريري رفضه الرئيس بري بشكل قاطع، لأنه أولاً يخالف اتفاق الطائف، وثانياً لأنه لا يعطي الثلث المشارك، وهو محاولة جديدة للتمييع والمماطلة، وبالتالي لا يستحق المناقشة والدرس.‏

فشل مسار التخويف من الشارع في ثني المعارضة عن إكمال خطتها للتحرك الديمقراطي، وفشل اقتراح توسيع الحكومة الى ثلاثين وزيراً دون الثلث الضامن الذي رفضه الرئيس بري.. عند هذا الحد كانت المعارضة تضع اللمسات الأخيرة على خطة التحرك وحددت ساعة الصفر من دون أن يجري الإعلان عنها، لإبقاء عنصر المفاجأة موجوداً، ما أربك الفريق الحاكم.. وبموازاة ذلك كانت تجري اتصالات المحاولة الأخيرة لتجنب هذا الخيار، قد باتت تعد بالساعات.‏

حينها برز موقف مفاجئ للفريق الحاكم أعلن فيه أنه لن ينزل الى الشارع مقابل شارع المعارضة، بعدما كان يكرر على مدى أسابيع أن الشارع سيقابله شارع. وهنا تتساءل عدة أوساط عن الدوافع التي أملت هذا الخيار، هل هو عجز الفريق الحاكم عن تجييش الشارع الذي يقولون إنهم يمثلونه؟ أم أن لهذا الموقف أبعادا أخرى؟‏

على أن المفاجأة التي خلطت الأوراق حصلت عصر الثلاثاء الماضي مع حدث اغتيال الوزير بيار الجميّل. وهنا عادت الى الذاكرة العديد من التصريحات والتوقعات:‏

ـ تصريحات وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس التي كانت تنبأت قبل شهرين بعمليات اغتيال لشخصيات في فريق 14 شباط!‏

ـ تصريحات رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية سمير جعجع قبل أسبوع فقط، التي تنبأ فيها باغتيال وزراء في الحكومة!‏

ـ تصريحات رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط الذي كان يكرر الحديث عن اغتيالات ستحصل في الفترة الراهنة!‏

وقد سارع الفريق الحاكم الى الاستثمار السياسي لحادثة الاغتيال، وهو ما قام به رئيس كتلة المستقبل النائب سعد الحريري الذي كان يعقد مؤتمراً صحافياً لدى حصول الاغتيال. كذلك عمد الى الاستثمار "جنرال" القوات اللبنانية سمير جعجع الذي انبرى من الأرز لدعوة وزراء حزب الله وحركة أمل الى العودة الى الحكومة، وإلا فإنهم في دائرة الاتهام! كذلك فعل رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط في مؤتمره الصحافي الذي عقده الأربعاء في المختارة، والذي ضمّنه تحريضاً ضد حزب الله وحركة أمل.. ومنه التمني غير البريء على رئيس مجلس النواب نبيه بري ودعوته الى الإسراع في عقد جلسة عامة لإقرار المحكمة وعدم عرقلة هذا الأمر.‏

بالمقابل فإن المعارضة بدت متريثة خلال الساعات التي تلت اغتيال الوزير الجميّل، وهي لم ترد على حملات التجني التي تعرضت لها من قبل رموز السلطة الحاكمة. مصادر قالت لـ"الانتقاد" ان هذا التريث سينتهي بعد إتمام مراسم دفن الجميّل، متوقعة ردودا قاسية على هذه الحملات، خصوصاً على كلام جعجع وجنبلاط وبيان قوى السلطة الذي أطلق ليل الثلاثاء، وهو ما لفتت اليه مصادر مقربة من الرئيس نبيه بري. أما عن برنامج التحركات التي كانت معدة لإسقاط حكومة فيلتمان، فإن الاستعدادات لا تزال مستمرة وسيكون هناك تفعيل لها خلال الأيام المقبلة، بعد التريث الذي أملاه اغتيال الوزير الجميّل، والذي كان أحد الأهداف منه إعطاء جرعة للفريق الحاكم والمشروع الأميركي بعدما كانت ساعة تهاويه قد دنت أمام اندفاعة المعارضة المستندة الى الوسائل الدستورية والديمقراطية.‏

هلال السلمان‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-23