ارشيف من : 2005-2008
فتفت لا يستقيل بل يدافع عن إهمال أجهزته الأمنية في الحماية:يد الإجرام تغتال الوزير بيار الجميّل بأسلوب "مافياوي"
أقدمت مجموعة إرهابية متمرّسة في القتل والتصفيات الجسدية، ومجهولة المصدر والتبعية حتى الآن، على اغتيال وزير الصناعة والنائب وعضو المجلس السياسي لحزب الكتائب اللبنانية الشاب بيار أمين الجميّل (34 عاماً)، بإطلاق النار عليه من أسلحة رشّاشة مجهّزة بكواتم للصوت، وذلك خلال مروره بسيّارته في محلّة الجديدة، وهي واحدة من أكثر المناطق اكتظاظاً بالسكّان وزحمة السير، فقتل على الفور ومعه مرافقه الشخصي سمير الشرتوني.
وفي غياب أيّ بيان أمني رسمي عن هذه الجريمة النكراء، كما درجت العادة ويفرض القانون في التعاطي مع مختلف أنواع الجرائم العلنية حتّى ولو كانت سرقة دراجات نارية، وهو ما تتحفنا به شعبة العلاقات العامة في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي يومياً تقريباً، فكيف بجريمة مروّعة من هذا النوع ولها تداعيات خطرة على الساحة السياسية الداخلية؟
تعدّدت الروايات والسيناريوهات الأمنية المسرّبة لوسائل الإعلام المكتوبة المحلية، وفيها تناقضات كبيرة، وخرج وزير الداخلية بالوكالة في حكومة فؤاد السنيورة غير الدستورية أحمد فتفت ليغطي إهمال قوى الأمن الداخلي في تأمين سلامة حياة زميل له في الحكومة، وفي قوى 14 شباط/ فبراير، ويقول، بكل نزق وقلّة مسؤولية، إنّ "ضميره مرتاح"، بينما أقل الواجب كان يفرض على فتفت الاستقالة، وهو ما يقوم به الشرفاء في الدول المتحضّرة، لعجزه عن حماية وزير مثله، ولفشله في اختراع تبرير منطقي وعقلاني للإهمال الناشئ عن الوظيفة لمسؤولي أجهزته الأمنية وتحديداً قوى الأمن الداخلي، وما يتفرّع عنها من فرع للمعلومات يُحكم قبضته على البلاد والعباد، والمديرية العامة لأمن الدولة المناط بها حماية الشخصيات السياسية والدينية والقضائية، ولكن يبدو أنّ المنصب والكرسي أهم من الصداقة والزمالة "ورفقة الطريق"، وهو ما ظهر للوهلة الأولى فور شيوع خبر الجريمة ببقاء فتفت في قصر قريطم يتابع مؤتمراً صحفياً لرئيسه النائب سعد الدين الحريري، ولم يتحرّك للانتقال إلى مسرح الجريمة والوقوف ميدانياً على حقيقة ما حصل في وضح نهار مرعب من تاريخ لبنان.
وفي مقاربة لكيفية حدوث هذه الجريمة، فإنّ الوزير الجميّل كان يقوم يوم الثلاثاء الفائت بواجب التعزية في محلة الجديدة، قيل في منزل لآل داغر، وقيل في كنيسة، ثمّ خرج قرابة الساعة الثالثة والثلث وركب في سيارته وهي من نوع" كيا" رصاصية اللون، ومعه مرافقه الشخصي سمير الشرتوني والعنصر في جهاز أمن الدولة مارون ساسين، متوجّهاً إلى منزله في محلة الرابية، فطاردته سيّارة الجناة وهي من نوع "جيب هوندا" سوداء اللون وتحمل لوحة مزوّرة، وتجاوزته بمسافة قليلة جداً وتعمّد سائقها ضغط مكابحها، ونزل منها مسلحان بوجهيهما المكشوفين ورشاشيهما المزوّدين بكواتم للصوت واقتربا مباشرة من الجميّل وأمطراه من مسافة قريبة جداً بوابل من النيران، ولما اطمأنا إلى إجهازهما عليه عادا بسرعة إلى سيارتهما حيث كان ينتظرهما بداخلها سائق توجه بها إلى جهة مجهولة، وذلك على مرأى ومسمع من عدد من المواطنين والمارة المصدومين بمشاهدة هذا الفيلم البوليسي الحقيقي، ومن دون مونتاج وخديعة، وفي غياب رقابة القوى الأمنية التي حضرت متأخّرة كعادتها.
واستدعت هذه الجريمة الأسئلة والاستفسارات التالية:
أولاً: بعد سنة ونصف السنة من إحكام "القوى الشباطية" القبض على البلد أمنياً، وإنشاء نظام أمني جديد أكثر قمعاً وضرراً من سابقه، لا يستطيع هذا الجهاز الحؤول دون وقوع جريمة أو إفشال مشروع ومخطّط إرهابي في بلد صار بفضل انفتاح هذه القوى، مسرحاً لمختلف الاستخبارات والأجهزة الأمنية العربية والأجنبية على حدّ سواء، وبعضها يتحرّك تحت غطاء إنساني وجمعيات ومؤسّسات ومستشفيات ميدانية. فهل دور هذا النظام يقتصر على ملاحقة ومراقبة اللقاءات والاجتماعات السياسية العلنية التي تقوم بها المعارضة، أم أنّ الواجب يقتضي معرفة الجرائم الموصوفة قبل وقوعها من خلال تكثيف مراقبته لأوكار الشرّ التي يجب عليه معرفتها؟
ثانياً: ما دام أنّ رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع تحدّث منذ مدّة وجيزة جدّاً، عن أنّ هناك من يدبّر محاولات لاغتيال وزراء ونوّاب لم يفصح عمن زوّده بها، قبل أن يوضّح نائب "القوات" أنطوان زهرا أنها مستقاة من مصادر حكومية، فهل كان مسؤولون في الحكومة على معرفة بها، وهي معلومات متناسقة ومتطابقة مع كلام أطلقته منذ شهرين، وزيرة خارجية دولة الوصاية الجديدة الولايات المتحدة الاميركية كونداليسا رايس؟ ولماذا لم يبادروا إلى الطلب من الوزراء والنواب اتخاذ إجراءات الحذر والحرص، وزيادة تدابيرهم الأمنية في تحرّكاتهم العلنية والسرّية، ما دام أنّ هذه المعلومات مؤكّدة وغير قابلة للنقاش والمزاح؟ ولماذا لم يعطوها للأجهزة الأمنية والقضائية للقيام بما يمليه عليها واجبها لجهة القضاء على مخطّط الترويع في مهده قبل أن يفلت من عقاله، أم أنّ "القوى الشباطية" صارت تنتظر حصول القتل لاستثماره وتصوير نفسها بأنّها ضحية، فهل لبنان المشرق يُبنى بلغة القتل والتوظيف السياسي للدماء؟!
ثالثاً: لماذا دائماً النائب وليد جنبلاط يعرف مسبقاً بأن هناك قرارات بحصول اغتيالات؟ فهل صار منجّماً وعالماً بالغيب، أم أنّه يجيد استخدام لغة اشتهر بها خلال الحرب الأهلية، لجرّ البلد إلى الفتنة؟
رابعاً: من المستفيد من اغتيال بيار الجميّل الذي كان يعيد ترتيب وضع حزب الكتائب الذي ورثه من أبيه وجدّه، بما يؤهّله لاستعادة دوره على الأقل، في الشارع المسيحي، وخصوصاً أنّ جمهوره هو نفسه جمهور "القوّات اللبنانية"؟
خامساً: ليس غريباً أن تقف خلف هذه الجريمة، أصابع خارجية لها مصلحة في إبقاء التوتّر مشتعلاً في لبنان، وتتحيّن الفرص وتنفّذ مخطّطاتها عشيّة كلّ استحقاق من أجل استخدامه في الاتهام السياسي الذي تتقن "القوى الشباطية" فنّه النوعي، ففي اليوم الذي كانت فيه لجنة التحقيق الدولية تستعدّ لتسليم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان تقريرها في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تمّ اغتيال النائب والصحافي جبران تويني في 12 كانون الأول/ ديسمبر 2005، وها هو المشهد نفسه يتكرّر وبما له علاقة أيضاً بجريمة اغتيال الحريري وما أفرزته من تداعيات خطرة على البلاد سياسياً وأمنياً واقتصادياً واجتماعياً، ففي اليوم المقرّر فيه أنْ يصادق مجلس الأمن على نظام تأسيس المحكمة ذات الطابع الدولي يجري الإجهاز على الوزير الجميّل.
سادسا: لماذا تسارع "القوى الشباطية" إلى استغلال الجرائم سياسياً واتهام سوريا من دون تقديم دليل حسّي على كلامها التحريضي، ولا توجّه أصابه الاتهام، ولو لمرّة واحدة، إلى دول واستخبارات أخرى ومنها جهاز "الموساد" الذي اعترف عميله محمود رافع الموقوف لدى القضاء بأنّ شريكه حسين خطّاب هو من وضع العبوّة الناسفة التي أودت بحياة المناضل جورج حاوي صاحب التاريخ العريق في مقاومة العدوّ الصهيوني؟
علي الموسوي
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018