ارشيف من : 2005-2008

بغداد ودمشق: مصارحة ومكاشفة وعهد جديد من العلاقات

بغداد ودمشق: مصارحة ومكاشفة وعهد جديد من العلاقات

مهمة قد تغيظ بعض الأطراف أكثر مما تسرها.‏

وزيارة وزير الخارجية السوري وليد المعلم للعراق ـ وهي الأولى من نوعها وبهذا المستوى لمسؤول سوري منذ الإطاحة بنظام صدام في التاسع من شهر نيسان/ أبريل من عام 2003 ـ مثلت منعطفا حاسما في مسيرة طويلة شابتها المؤامرات والمواجهات والصراعات السياسية والإعلامية والاستخبارية.‏

جاء عميد الدبلوماسية السورية الى بغداد في ظل اجواء معبأة ضد دمشق بفعل تراكمات في سوء الفهم، والتباين في النظر الى الواقع القائم وطبيعة التعاطي معه خلال الأعوام الثلاثة والنصف المنصرمة. وكذلك جاء المعلم الى بغداد في وقت راحت تنطلق اشارات من العاصمة الاميركية واشنطن بضرورة إشراك كل من سوريا وإيران في أي ترتيبات تتعلق بالشأن العراقي لمعالجة الامور ووضع حد لحالة الانهيار والتداعي في أوضاع هذا البلد، في الوقت الذي يشهد الوضع العراقي اختناقات سياسية مقلقة لم تفلح خطط الحكومة ومشاريعها الأمنية والسياسية في حلّها.‏

وإذا أقررنا باختلاف القراءات السورية للواقع العراقي بعد غياب نظام صدام عن المشهد العام وبروز الولايات المتحدة الاميركية لاعبا اساسيا على مسرح الاحداث، عن القراءة العراقية الرسمية لذلك الواقع، فإنه يمكن حينذاك إدراك اشكالية الهوة الواسعة بين الطرفين التي كان مفترضا ـ او منتظرا ـ ان تضيق بعد سقوط نظام صدام، لا ان يحصل العكس.‏

هذه الهوة الواسعة بدت كوجه آخر لصورة جبل الجليد الهائل الذي يفصل بين العاصمتين، برغم انهما تبدوان قريبتين في جوانب عديدة، خصوصا على الصعيد الشعبي.‏

وحتى تضمحل هذه الهوة وتتلاشى أو بأدنى تقدير تتقلص وتنحسر، كان لا بد من قراءات واقعية من كلا الطرفين تأخذ بعين الاعتبار ما أثمرته تجارب الماضي من نتائج وحقائق التاريخ وثوابت الجغرافيا، والمصالح والقواسم والهموم ـ وحتى التحديات ـ المشتركة، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واستراتيجيا.‏

ورسالة دمشق الذي حملها أحد أبرز سياسييها الى بغداد كانت واضحة بما فيه الكفاية في دلالاتها ومعانيها، فضلا عن انها حملت بين طياتها تصورات سوريا ومطالبها ورؤاها.‏

ومن بين مضامين رسالة دمشق:‏

ـ ان الخطر على العراق هو خطر على المنطقة برمتها.‏

ـ ان سوريا تدين بشدة كل ارهاب يستهدف الشعب العراقي ومؤسساته، وإن كل قطرة دم عراقية تراق عزيزة وغالية علينا.‏

ـ نريد ان نكون شركاء في الربح والخسارة، وزيادة التنسيق في المجالات السياسية والأمنية، وتطوير التعاون الاقتصادي بين البلدين.‏

ـ لم نأتِ الى بغداد لإرضاء الولايات المتحدة او غيرها، وإنما جئنا من أجل إرضاء شعبنا السوري والشعب العراقي.‏

وهذه المضامين التي هي في الواقع إشارات لطبيعة التوجهات السياسية السورية الجديدة، قوبلت بارتياح عراقي واضح عكسته تصريحات كبار الساسة العراقيين الذين التقاهم المعلم، وفي مقدمهم رئيس الجمهورية جلال الطالباني ورئيس الوزراء نوري المالكي وزعيم الأغلبية في مجلس النواب السيد عبد العزيز الحكيم.‏

حتى الانتقادات الهادئة حيال التعاطي السوري مع الشأن العراقي لم تكدر الأجواء الإيجابية، ووصفت بأنها عبارة عن عتب أخوي.‏

وهذا العتب الأخوي ترجمه تصريح للمالكي قال فيه: "كنا نتوقع أن تكون سوريا اكثر تفهماً لنا كما كنا في مرحلة معارضة النظام الدكتاتوري، وأن تكون أول المبادرين لدعم الوضع السياسي الجديد".‏

وفضلا عن الرد العراقي على الرسالة السورية الذي انعكس في جانب منه عبر الاهتمام الاستثنائي بالوزير السوري، فإن الحكومة العراقية لخصته في بيان رسمي أشارت فيه الى "ان ما يحصل في العراق خطر يهدد الجميع لا العراق وحده، ومن مصلحة سوريا أن تسهم في استقرار وأمن العراق، وخصوصا أن دولاً عديدة سبقتها في هذا المجال. وإذا كان لهذه الدولة او تلك خلافات مع الولايات المتحدة، فهذا شأن يخصها، على أن تسوية هذا الخلاف يجب ألا تكون على حساب العراق. ونرفض ان تكون أي دولة من دول الجوار الإقليمي ممراً أو مقراً للمنظمات الإرهابية التي تلحق الضرر بالعراق".‏

والولايات المتحدة الاميركية لم تنسَ استغلال وجود وزير الخارجية السوري في بغداد ربما لإفشال زيارته، حينما قال المتحدث باسم القوات متعددة الجنسيات في العراق الجنرال الاميركي وليام كالدويل "إن خمسين الى سبعين مقاتلاً أجنبياً يتسللون من سوريا الى العراق شهرياً، وإن القوات الاميركية والعراقية تمكنت خلال الأشهر العشرة الماضية من قتل 425 مقاتلا أجنبيا واعتقال 676. وإن نسبة السوريين والمصريين من بين هؤلاء كانت هي الأعلى، حيث بلغت نسبة كل منهما 23% من العدد الكلي، ونسبة السودانيين 13%، بينما بلغت نسبة السعوديين 12%.. ومعظم هؤلاء تسللوا عن طريق الحدود السورية".‏

وطبيعي ان دمشق لا تتوقع تعاطيا أميركيا إيجابيا حتى لو غيرت سياستها حيال العراق مئة وثمانين درجة، لأن عوامل الشد والجذب بين الطرفين كثيرة، والعراق ليس سوى واحد منها، كما هي الحال مع إيران.‏

وقد يكون ذلك من بين الأسباب التي جعلت واشنطن تتلقى بعدم الارتياح أنباءً عن قمة عراقية إيرانية سورية دعا اليها الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، اذ عبر المتحدث باسم الخارجية الاميركية توم كيسي عن تشكيك واشنطن في إمكان أن يساعد أي اجتماع بين إيران وسوريا والعراق في خفض مستوى العنف في هذا البلد.‏

وفي كل الأحوال فإن واشنطن لن تستطيع منع دمشق من لعب دور إيجابي في العراق، سيما اذا لقي مثل ذلك الدور ترحيبا وتفاعلا عراقيا، وهذا متوقع الى حد كبير، لأن بغداد تقدر أهمية دور دمشق وتأثيرها، في الوقت الذي تسعى فيه الى إبعاد التجاذبات والاختلافات السورية ـ الاميركية عن الشأن العراقي.‏

أغلب الظن ان دمشق وبغداد قادرتان على فعل ما هو مفيد وإيجابي وبنّاء لكليهما، وبالفعل فإنهما شرعا بالخطوة الأولى حينما استأنفا العلاقات الدبلوماسية بينهما، إيذانا بعهد جديد تبشر ملامحه ومعالمه بالأمل والتفاؤل.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-24