ارشيف من : 2005-2008

التهديدات الإسرائيلية لإيران:جعجعة فارغة وبيانات تراجع في المواجهة

التهديدات الإسرائيلية لإيران:جعجعة فارغة وبيانات تراجع في المواجهة

الإيرانية.‏

فمن جهة تتحدث "إسرائيل" عن أنها مركب واحد من سلسلة مركبات دولية في مواجهة إيران، بينما هي في الواقع إضافة الى المشروع الأميركي في المنطقة، تقف على رأس المتأثرين المباشرين سلبا من تحول إيران إلى قوة إقليمية عظمى مع قدرة نووية رادعة.‏

من جهة ثانية تقفز "إسرائيل" بين الحين والآخر، عن استراتيجيتها المعتمدة تجاه ايران، أي الصمت والتخفي وراء الآخرين في مواجهتها، فتصدر عن مسؤوليها تصريحات تهديدية سرعان ما يعاد لملمتها والتملص منها.‏

هي تدرك ذلك جيدا، وأُقرّ علنا في الآونة الأخيرة من قبل قادة وخبراء عسكريين إسرائيليين سابقين وحاليين، بأن الخيار العسكري من ناحية "إسرائيل" لصد المشروع النووي الإيراني خيار قاصر وخاسر في آن، اذ ليس لديها القدرة العملياتية المادية على تنفيذ ضربة عسكرية كفيلة بإنهاء المشروع النووي الإيراني، في الوقت الذي تدرك فيه أن "المجتمع الدولي" لديه من الخلافات والصعوبات ما يجعله بشكل او بآخر، غير قادر أيضا، برغم ما لديه من قدرات مادية على فعل ذلك.‏

تحدث رئيس حكومة العدو إيهود أولمرت أخيرا عن وجوب "تخويف" إيران كي تمتنع عن إكمال برنامجها النووي، بينما دعا نائب وزير الحرب إفرايم سنيه بشكل صريح الى ضرب إيران، وبوجوب القيام بضربة استباقية باعتبارها ملاذا أخيرا، معتبرا ذلك "الملاذ الوحيد" المتاح لمواجهة إيران.‏

من ناحية نظرية تهتم "إسرائيل" بشكل أساس ـ انطلاقا من كون إيران نووية تشكل خطرا وجوديا عليها ـ بأن تدفع المساعي المبذولة الى إنهاء المشروع النووي الإيراني قدما، سواء بطريقة "سلمية تسووية" او عسكرية اجتثاثية، وإن كان الأسلوب الثاني هو الأولى بالنسبة اليها، لما له من تداعيات إيجابية ممتدة على أكثر من صعيد وملف في المنطقة.‏

ما الذي تريده "إسرائيل" من "الأسرة الدولية" تجاه إيران، مع علمها بقصر اليد العملياتي؟‏

تتبع التصريحات والدراسات الإسرائيلية بهذا الشأن يظهر ان "إسرائيل" تسعى جاهدة إلى إبقاء نفسها في صدارة اهتمام الإيرانيين، كي توصلهم إلى تأسيس مواقفهم بناءً على التسليم بالتالي، برغم أن لا إشارات نجاح في ذلك لدى الجانب الإيراني:‏

برغم الحديث عن قصر اليد العملياتي لـ"إسرائيل"، إلا أنها لن تفقد الطريقة في الوصول إلى إيران وضربها حتى ابتداءً، سواء بضربة جوية او عبر الصواريخ بعيدة المدى التي تملكها، الأمر الذي يتطلب تذكيرا لإيران بين الحين والآخر بقدرتها، سواء بشكل مباشر عبر تصريحات وتعليقات إسرائيلية، او عبر النشر الإسرائيلي بصورة غير مباشرة في وسائل إعلام او مراكز دراسات أجنبية غربية.‏

ان تبقي أميركا خياراتها مفتوحة تجاه إيران، بما يشمل الخيار العسكري لاجتثاث القدرة النووية الإيرانية، وبالتالي تفضل أن لا تشارك الولايات المتحدة في أي جهد "تسووي" مع إيران، واقتصار المسألة على الأوروبيين.‏

يتضمن ذلك ـ كتفضيل إسرائيلي ـ ان تقوم الولايات المتحدة بين الحين والآخر بتذكير إيران بما لديها من قدرات عسكرية، والتقليل قدر الاستطاعة من مفاعيل الدراسات والتعليقات التي تطلقها مراكز البحث العسكرية التي لا ترى جدوى من الخيار العسكري ضد إيران.‏

على الولايات المتحدة ـ كتفضيل إسرائيلي ـ ان تحث وتدفع الدول الفاعلة في أوروبا التي تحاور إيران لإيجاد تسوية، لبلورة عقوبات اقتصادية خاصة تكفل سقوط النظام بشكل مباشر او تبعا لتأثيراتها على الداخل الإيراني، ما لم يرضخ الإيرانيون إلى مطالبهم وقيامهم بوقف طوعي وموثوق للمشروع النووي، وتحديدا تخصيب اليورانيوم. وبالتالي فإن الجهد الإسرائيلي مع الأوروبيين يتركز على التحريض وتغليب مساوئ إيران نووية عليهم، وإفهامهم بأن مصالحهم في وقف المشروع الإيراني لما له من أضرار مستقبلية عليهم أيضا، تفوق بنسب كبيرة المصالح الاقتصادية مع طهران.‏

المشكلة الإسرائيلية في مقاربتها الموضوع الإيراني مع الأميركيين والأوروبيين، أن كلا من واشنطن وعواصم الترويكا الأوروبية، إضافة إلى روسيا والصين، لديها أجندة خاصة بها تتقاطع مع أجندة الإسرائيليين في جزء منها، لكنها تتعارض معها في جزء او أجزاء أخرى، الأمر الذي يصعب على الإسرائيليين التحرك والحث لبلورة أجندة مشتركة ضرورية وكافية لإنهاء المشروع النووي الإيراني.‏

وقد حاول الإسرائيليون في المرحلة الأخيرة فعل كل المستطاع لتحريك المشترك مع الجهات الضاغطة ضد إيران، في الوقت الذي جهدوا فيه لستر المتعارض بينها والتقليل من حجمه وحجم تأثيراته، لكن الخلافات البينية وتضارب المصالح والحضور الإيراني كحاجة لاقتصاديات روسيا والصين، وحتى بعض العواصم الأوروبية، صعّب المهمة الإسرائيلية كثيرا، وهو ما كان ينعكس إخفاقات متتالية في جلسات الحوار البيني، او إخفاقا في فرض عقوبات اقتصادية على إيران برغم أنها ذات نوعية رديئة وشكلية ولا تفي بالمطلوب إسرائيليا.‏

يتجه الإسرائيليون رويدا رويدا نحو بلورة استراتيجية دفاعية مختلفة تجاه إيران والخطر الإيراني، والمنطق يحتّّم عليهم أن يجدوا إجابة خارج إطار الخيار العسكري الاجتثاثي للمشروع النووي الإيراني، بمعنى البحث عن الردع والردع المقابل وما يسمى بالضربة النووية الثانية والرادعة، التي تفهم إيران بأن أي مجازفة تجاه "إسرائيل" تعني بالضرورة ضررا كبيرا لا يُحتمل، خصوصا أن لـ"إسرائيل" قدرة نووية غير بسيطة في هذا المجال. إنه تحول سيفقد "إسرائيل" الكثير من ميزاتها في المنطقة، وله تأثيراته الخاصة على مجمل المنظومة المواجهة لها، إلا أنه يكفل الى حد كبير، عدم إقدام إيران على محوها عن الوجود، من وجهة نظر الإسرائيليين.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-24