ارشيف من : 2005-2008

سيغولين رويال أمام بوابة الإليزية

سيغولين رويال أمام بوابة الإليزية

الحزب الاشتراكي في الانتخابات الرئاسية الفرنسية. فوز "ملكي"، إذاً، (كلمة رويال تعني "ملكي" بالفرنسية) لشريكة حياة الأمين العام في الحزب الاشتراكي، فرانسوا هولند، بالنظر إلى الفارق الشاسع بين الرقم الذي أحرزته والأرقام التي أحرزها منافساها العريقان في قيادة الحزب. لا يبدو أن فيروس استبداد الأسرة بالحكم (كما في حالة بوش الأب وبوش الإبن، وآل كينيدي...) هو ما لعب لمصلحة سيغولين، بقدر ما يعود الفضل في ذلك لـ"أنثويتها"، أي لكونها امرأة، لكي لا نقول لـ"أنوثتها". تشهد على ذلك نتائج استطلاع للرأي قالت فيه أكثرية من الفرنسيين بأنهم يفضلونها لأنها امرأة، مع كل ما قد يعنيه ذلك للرجال في زمن تلمع فيه أسماء تاتشر وأولبرايت ورايس وآرويو وإيليوت ماري، وميغاواتي وغيرهن كثيرات حالياً وسابقاً، في بريطانيا وتركيا وبنغلادش وباكستان وسيريلنكا، حيث تبوأت النساء مناصب الملكات والرئيسات والوزيرات... تشهد عليه أيضاً، بين امور أخرى لا تحصى، تعليقات فرانسوا بايرو، رئيس حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الفرنسية، التي قال فيها بأن ترشيح امرأة يجعل الأمور أكثر تعقيداً بالنسبة لخصومها حيث لا يمكنهم أن يخوضوا معها "مواجهات قاسية" خوفاً من أن يتهموا بالتعصب الذكوري.‏

ومع هذا، فإن أنثوية سيغولين، وإن كانت ـ في ظل تشتت قيادات الحزب الاشتراكي ـ السبب الأول في فوزها، لا تشكل السبب الحصري لذلك الفوز، لأن هنالك من يفضلها بسبب ميولها البليرية (نسبة إلى طوني بلير وسياساته الاقتصادية)، أو بسبب الاعتقاد بأنها الأكثر قدرة على إلحاق الهزيمة بنيكولا ساركوزي، أو على تجسيد مفهوم تجديد اليسار، أو على الاستماع لهواجس الفرنسيين. ومهما يكن من أمر، فإن فوز رويال يخطو بها خطوة واسعة باتجاه قصر الإليزيه الذي لن يكون من الممكن لها أن تستقر فيه وحدها، لأن، شريك حياتها، السكرتير الأول، لن يلحق بها فيما لو قدر لها الفوز النهائي، قبل أن تجتاز سلاسل من العقبات الكأداء. أولها استقرار رأي الحزب الاشتراكي بزعاماته وجماهيره على التصويت لها منذ الدورة الأولى، أو حتى في الدورة الثانية. لأن حزازات النفوس وغيرها من الإحن قد تعطي للغريب أفضلية على ابن العم وحتى على الأخ. تكفي الإشارة هنا إلى أحد أركان الحزب، هنري إيمانويللي، الذي ما فتئ يردد كلاماً عن القسمة الضيزى بين الحزب وبين فريق العمل الذي قاد حملة سيغولين الانتخابية، ليصل إلى القول بممانعة تمثيلها للحزب في المواجهة النهائية. ومن العقبات الداخلية الأخرى إمكانية حدوث انشقاقات لتبرير عدم الالتزام بترشيحها، لأن بعض الأركان، ممن بنوا لأنفسهم موقعية داخل الحزب طيلة سنوات من النضال، تنازعهم الرغبة، كما في حالة دومينيك ستروس ـ كاهن، لتجريب وزنهم الانتخابي، انهم في ذلك شأن جميع فصائل اليسار التي يبدو أنها ستتقدم بمرشحين لأغراض مشابهة. ناهيكم عن الخلافات الإيديولوجية التي تخترق اليسار، والحزب الاشتراكي نفسه، بين من أصبحوا اجتماعيين ديموقراطيين أو حتى ليبراليين، وبين من ظلوا محافظين على راديكاليتهم. وحتى لو افترضنا أن اليسار والاشتراكيين تمكنوا من المحافظة على الحد الأدنى من الوحدة، ووقفوا جميعاً وراء سيغولين في الدورة الثانية، إذا ما وصلت إليها، فإنه سيبقى عليها أن تجتاز العقبة الكأداء المتمثلة بمرشح اليمين الحاكم، في ظل شيراك، منذ أربعة عشر عاماً على التوالي. أحد أهم حظوظها هو حالة التمزق التي يعيشها تحالف الاتحاد من أجل الأكثرية الرئاسية الذي يضم الحزب الديغولي المنقسم بين شيراكيين وساركوزيين، وحزب الاتحاد من أجل الجمهورية الفرنسية. فالتناحر على أشدّه بين نيكولا ساركوزي ودوفيليبان وإيليوت ماري، وإن كان الأول قد فرض نفسه مرشحاً بلا منازع عن اليمين، اللهم إلا إذا ما تمثل له ذلك المنازع في شخص شيراك بالذات الذي ظل محافظاً على عدم الكشف عن وجهه طيلة الهمروجة الانتخابية، والذي لا يستبعد البعض أن يطرح نفسه مرشحاً لليمين، ومن ثم لولاية ثالثة. ومن يدري ما إذا كان لا يزال يحلم، في ظل تمزق الأحزاب الموالية والمعارضة، في نشوء وضع مشابه للوضع الذي جعل أحزاب اليمين واليسار تنضوي كلها تحت رايته، في انتخابات العام 2002، خوفاً من لوبين وجبهته الوطنية الزاحفة.‏

والحقيقة أن التخويف من اليمين المتطرف قاسم مشترك، إلى جانب الهاجس الأمني، في طروحات جميع المرشحين، ما يعني أن أي حادث وما أكثر ما قد تأتي به الأيام ـ بشكل طبيعي أو مصطنع من حوادث ـ قد يقلب المعادلات ويعيد ترتيب الاصطفافات في وقت لم تعد فيه المبادئ العليا، على ما يعترف به الجميع، هي ما يدير دفة التطورات. وإذا ما اتجهت الأمور في النهاية إلى تصفية تجري المواجهة بموجبها بين ساركوزي وسيغولين، فلا شيء يضمن لسيغولين فوزاً على خصمها بـ51 نقطة مقابل 49، على ما تقوله آخر الاستطلاعات. ولا شيء يضمن شيئاً في وقت أصبحت فيه الأيام والدقائق حبلى بالمفاجآت وبانقلاب الآراء والأمزجة والتوجهات، برغم ما تفترضه الديمقراطية من وضوح المعايير والخيارات.‏

ع.ح‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-24