ارشيف من : 2005-2008

بوش: محاولة للتعويض في آسيا

بوش: محاولة للتعويض في آسيا

مطروحة في نطاق اهتمامات المؤتمر السنوي لمنتدى التعاون الاقتصادي لبلدان آسيا وأميركا الواقعة على ضفتي الباسيفيكي (آبيك). والمنتدى المذكور يسيطر على ما يزيد عن نصف الحركة الاقتصادية العالمية: 21 دولة بينها عمالقة كالولايات المتحدة واليابان وروسيا والصين، ومناطق ذات أهمية استراتيجية خاصة كإندونيسيا وبقية النمور التي لا تزال متحفزة برغم انتكاسة أواخر التسعينات. وبحكم الاهتمام الاقتصادي ـ التجاري للمنتدى، تركّز الاهتمام على ضرورة إحياء مفاوضات التجارة العالمية ودورة الدوحة المأزومة منذ سنوات، والتي تعطلت في تموز/ يوليو الماضي لأسباب في مقدمتها ازدواجية المعايير التي تحكم معظم الملفات، وخصوصاً الملف الزراعي، في ظل سياسات الأغنياء المتناقضة مع توجهات المنظمة لجهة دعم الانتاج الزراعي بشكل يلحق ضرراً فادحاً باقتصاديات الدول الفقيرة. وتركز الاهتمام أيضاً على إنشاء منطقة تجارة حرة على مستوى بلدان المنتدى الذي كان مناسبة لإعلان انضمام كل من فيتتنام وروسيا، بعد مفاوضات صعبة إلى منظمة التجارة العالمية. موافقة واشنطن على انضمام روسيا تمت على أمل الحصول، بالمقابل، على موقف روسي أكثر استجابة للتوجه الأميركي لفرض عقوبات نوعية على إيران بخصوص ملفها النووي، الأمر الذي لا يبدو أنه سيحظى، برغم كل شيء، باستجابة روسية مرضية. ولا استجابة مرضية أيضاً من كوريا الجنوبية للمطلب القاضي بإخضاع السفن الكورية الشمالية لتفتيش صارم، الأمر الذي يشكل صفعة حقيقية لآمال بوش واليابانيين، في مجال التضييق على بيونغ يانغ التي ستعود قريباً إلى المفاوضات السداسية أكثر استقواءً بتجربتها النووية، وبالتقدم الذي كان قد تحقق في ظل كلينتون، والذي قد يعود إلى الواجهة مع فوز الديموقراطيين في الانتخابات النصفية.‏

لكن القول يظل ممكناً بأن بوش قد حقق انتصاراً في فييتنام. زيارات للبورصة ولقاءات مع رجال أعمال أميركيين وفييتناميين يعملون في مشروعات مشتركة، وخصوصاً فرصة ذهبية لإعادة تقويم الحرب الفييتنامية بشكل يتبين معه أن النصر كان حليف الولايات المتحدة! فالحقيقة أن ما آلت إليه فييتنام من الانخراط بلا هوادة في سلك التطور الرأسمالي قد سمح لبوش بإلقاء ضوء جديد على فلسفة الحروب حيث أكد، انطلاقاً من التجربة الفييتنامية، أن حقيقة الانتصار قد لا تظهر إلا بشكل "غير مباشر"، بعد عشرات السنين، ملمحاً إلى أن ذلك قد يكون أيضاً شأن الولايات المتحدة في حروبها الحالية. وإذا كان النظراء الفييتناميون قد ابتلعوا هذه الملاحظة القاسية، فإن النظراء الإندونيسيين لا يحتاجون إلى مثل هذه الملاحظات في ظروف اعترافهم بالجميل الأميركي الذي دعمهم في التخلص بشكل دموي من حكم أحمد سوكارنو الاستقلالي، وإن كان قد أخضعهم طيلة أكثر من ثلاثين عاماً لحكم الفساد والفوضى المنظمة في ظل سوهارتو. ناهيكم عن كارثة العام 97 التي تسببت بها العمليات المالية المشبوهة الموحى بها أميركيا، والتي قذفت بأربعين مليون إندونيسي إلى مهاوي البطالة، وخصوصاً في ظل آمالهم العريضة بمجيء الاستثمارات الأميركية إلى إندونيسيا في ظل المعادلة المفروضة عالمياً، والتي جعلت من الاستثمار الأجنبي سيد النهوض الاقتصادي بلا منازع.‏

لكن آمال النظراء الإندونيسيين تصطدم، برغم التفاهم الكامل في موضوع الحرب على الإرهاب، بمحبطات عديدة في مقدمتها حالة الاضطراب الأمني التي تعم المناطق الإندونيسية، وعدم قدرة السلطات، في آن معاً، على احتواء الوضع، من جهة، وعلى تحمل الضغوط التي تجبرها على التساهل مع الجماعات والأقاليم الانفصالية، خوفاً من سيف الاتهام بالتنكر لحقوق الإنسان.‏

وقد أحيطت زيارة بوش لإندونيسيا باهتمام إعلامي مميز مع التشديد على كونها أكبر بلد إسلامي في العالم لجهة تعداد السكان، ولكونها إحدى ساحات المواجهة مع الإرهاب الذي سبق له أن ضرب في منتجع بالي قبل سنوات. وبلغ التركيز أشده مع الأخبار الصادرة عن الشرطة الإندونيسية، والتي تخوفت من احتمال تعرض بوش لعملية اغتيال انتحارية. سبب كافٍ لحشد ثمانية عشر ألف رجل أمن في مدينة باغور الصغيرة لتكون مكاناً لاستقبال بوش بعيداً عن جاكرتا العاصمة التي تشهد منذ العدوان على لبنان تظاهرات يومية ضد السياسات الأميركية في الشرق الأوسط، وخوفاً من تظاهرات مليونية معادية من شأنها أن تزيد في حالة التنغيص التي يعيشها الرئيس الأميركي في ظل هزائمه المتلاحقة. وعلى الرغم من ذلك، تقاطر عشرات الألوف من الإندونيسيين إلى باغور النائية ليستقبلوا من أسموه بـ"مجرم الحرب الأميركي" بما يليق به من مظاهر الحفاوة؟!.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/مقالات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-24