ارشيف من : 2005-2008
"البيت بيتك"...:أهالي قطاع غزة يتصدّون بأجسادهم لتهديدات الاحتلال بقصف المنازل
مرغمة دون أن تقذف حممها.
فهم يرفضون إخلاء منازلهم التي احتوت جراحهم وآلامهم وشهداءهم وكساءهم وأمتعتهم وممتلكاتهم، ويعلنونها مدوية ان المنزل بات كالعرض والأرض لا يمكن التخلي عنهما، كما يرفض جيرانهم وأقرباؤهم وأهالي قطاع غزة بالكامل التخلي عنهم، وحالياً بات لا يمكن لمواطني القطاع أن يدعوا هذا الاحتلال يعيث فساداً بالأرض ويستفرد بالمواطنين واحداً تلو الآخر، ويزيد من جرائمه وتدميره لمنازل الآمنين في قطاع غزة، وذلك في ثقافة جديدة خلقتها تهديدات الاحتلال...
تقول إحدى سيدات قطاع غزة وتدعى أم نضال صيام (40 عاماً): "أنا لديّ سبعة أطفال، وإن أخليت منزلي أنا وزوجي وقامت بعدها قوات الاحتلال الصهيوني بقصفه فأين سنذهب؟ وماذا سيحدث لبيوت جيراننا الملاصقين لبيتنا؟".
سؤال علقته أم نضال في رؤوس الجميع، وتشدد السيدة الواقع منزلها في شارع كشكو ـ صيام شرقي مدينة غزة بالقرب من مسجد صلاح الدين في حي الزيتون، على رفضها الشديد لإخلاء منزلها أياً كانت الظروف وتحت أي تهديد كان، وذلك برغم التهديد الصهيوني الصريح الذي تلقاه شقيق زوجها القاطن في ذات المنزل يوم العشرين من تشرين الثاني الجاري، مطالباً إياه بإخلاء المنزل في غضون عشر دقائق تمهيداً لقصفه.
وكانت تلك القوات قد أبلغت عبر اتصال هاتفي عائلتين إحداهما عائلة المواطن جمال صيام، وعائلة المواطن رأفت أبو عاصي، في ذات الشارع، تطالبهما بإخلاء منزليهما فوراً تمهيداً لقصفهما، فما كان من المواطن إلا ان سارع بإبلاغ شقيقيه الاثنين وعائلتيهما بضرورة إخلاء المنزل، وبمجرد هبوط سلّم البيت وجد على بابه مئات المواطنين المتجمعين والمساندين له، حيث قام الجيران فور سماعهم بالنبأ بإحضار عائلاتهم وكراسيهم وتجمهروا أمام المنزل، وصعد آخرون إلى سطحه في تحدٍ واضح لطائرات الاحتلال المحلقة بالأجواء، والتي كانت قد بدأت اجتياحاً للمنطقة شرقي حي الزيتون، فيما سارعت أعداد أخرى من المواطنين إلى منزل المواطن رأفت أبو عاصي الكائن في ذات الشارع في هبّة جماهيرية مساندة بثت الأمان والاطمئنان في المنزلين اللذين كانا مهددين بالتسوية أرضاً.
وتصبح ساحة المنزل المهدد بالقصف تجمعاً لمختلف ألوان الطيف الفلسطيني السياسي والاجتماعي دون تفرقة بين حزب أو آخر حيث يقول المواطن إياد حسين جار المواطن جمال صيام: "لا وجود هنا لابن حماس أو فتح او الجهاد الإسلامي، كلنا أبناء فلسطين، وكلنا هنا نمثل أجمل صورة للوحدة الوطنية، ونحاول الوفاء بواجبنا الإسلامي والوطني بمناصرة إخوتنا وجيراننا الذين يتعرضون للظلم".
وأضاف قائلاً: "نرفض أن نتخلى عن جيراننا، فهم أبناء شارعنا وحارتنا وأكلنا معهم وشربنا معهم، ولا يمكن لنا التخلي عنهم في محنتهم وتركهم فريسة سهلة للاحتلال الإسرائيلي الذي لا يرحم طفلاً او شيخاً كبيراً".
وبدا المواطن جمال صيام سعيداً جداً بالهبة الجماهيرية التي ساندته في محنته وقال: "أنا سعيد بالجميع فكلهم اخوتي وأبناء وطني وكلنا يد واحدة ونمثل وحدة وطنية، فقد وجدت جموعاً من الناس حول منزلي في محاولة لحمايته فور اتصال جيش الاحتلال بهاتفي الخلوي وطلبهم مني إخلاء المنزل في غضون عشر دقائق".
وعما دار بخلده لحظة الاتصال قال: "لم أستفق، كانت صدمة بالنسبة لي، لم اعرف بِمَ أفكر، بأطفالي أو أشقائي أو بمنزلي الذي سينهار، فبادرت مسرعاً بتنبيه أشقائي وحملت معهم اطفالهم حيث يقطن في منزلي 15 طفلاً بمختلف سنوات العمر، خفت عليهم جداً أكثر مما خفت على نفسي، وحاولت أن اهرب بهم فوجدت جموع الأهالي على باب منزلي يساندونني فكم كانت فرحتي".
شقيقه المواطن صلاح نصار صيام (56 عاماً) قال: "انا أسكن ملاصقاً لبيته، وأرفض أن يخرج من منزله فكلنا يد واحدة نصد جرائم الاحتلال ولا نركع إلا لله".
الهبّة الجماهيرية نجحت حتى اليوم في إلغاء تهديدات لجيش الاحتلال كان قد اطلقها بحق ثلاث عائلات، وهي عائلة المواطن محمد بارود في بيت لاهيا، وهو احد مقاومي ألوية الناصر صلاح الدين ـ الجناح العسكري للجان المقاومة الشعبية"، وإخطاران آخران لعائلتي ابو جلالة ووائل رجب في ذات البلدة كانت قوات الاحتلال قد طالبتهما منذ السادس عشر من الشهر الجاري بإخلاء منازلهم حيث يرفض هؤلاء تنفيذ الأمر في ظل استمرار توافد المواطنين المساندين إلى منازلهم ومبيتهم لديهم في ساعات الليل تخوفاً من تنفيذ قوات الاحتلال لتهديدها.
ويرفض المواطنون التخلي عن بيوت جيرانهم قائلين انها بمجرد تهديدهم تصبح وكأنها بيوتهم الخاصة، رافضين ترك جيرانهم يواجهون مصيرهم منفردين بلا معين ولا مسكن بديل.
فقد انتقلت ثقافة "البيت بيتك" من لبنان الشقيق إلى قطاع غزة، وبثت الفرحة في أوصال وعروق المواطنين الفلسطينيين لا سيما الأطفال والنساء اللواتي يبادرن إلى إعداد مواد الضيافة من مشروبات وأطعمة "صنع البيت" وتضم الشاي والتمر وقطع المعجنات لأعداد من المواطنين تزيد عن الألف في بعض الليالي.
السيدة أم نضال حاولت ان تقف صامدة امام أبنائها السبعة الذين يبلغ أكبرهم (16 عاماً) ويبلغ أصغرهم عامين قائلة: "مِمَ نخاف، فنحن دائماً نحافظ على ذكر الله ولا نخاف إلا منه ولا يهمنا، فهذا مصيرنا وقدرنا ونرجو أن يمن علينا الله بالصبر".
ولم تستطع ان تصف فرحها بمساندة الجيران فقالت: "من كل مكان جاؤوا، من قربنا ومن بيت لاهيا وبيت حانون، فنحن لسنا أفضل من اهالي بيت حانون الذين يمثلون بوابة القطاع الشمالية، ورأيت الناس والنسوة من كل مكان جئن لمساندتنا، فهذه حقاً وحدة دينية قبل أن تكون وحدة دنيوية وطنية".
ولكن قبل أن يتنبه الاهالي لكيفية مجابهة هذه الظاهرة نجحت قوات الاحتلال منذ السابع والعشرين من تموز/ يوليو الماضي في تنفيذ تهديدها لـ(58) منزلاً سكنياً، فيما أكدت إحصاءات مركز الميزان لحقوق الإنسان أن الاحتلال أقدم على تدمير 22 منزلا فلسطينيا في قطاع غزة تدميراً كلياً منذ الخامس والعشرين من حزيران/ يونيو الماضي يقطنها بشكل دائم 237 مواطناً بينهم 134 طفلاً، فيما أقدم الاحتلال وحسب إحصاءات المركز ذاته على إلحاق دمار جزئي بـ24 منزلاً يقطنها 266 مواطنا بينهم 111 طفلاً، وجميع هذه المنازل تلقت إخطارات هاتفية بضرورة الإخلاء قبل استهداف المنزل.
ولكن لا يخفى أن كل منزل يسقط تتهاوى بقربه العديد من المنازل التي تتلاصق معه في أكثر المناطق كثافة على سطح الكرة الأرضية، ويبقى السؤال هل تنجح الدروع البشرية بصد جنون الاحتلال الذي يصفه المواطنون بأنه أصيب بالهوس ولم يعد يعرف أين يضرب ظناً منه أن كل منزل فلسطيني بات على سطحه منصة صواريخ تزلزل كيانهم المهترئ.
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018