ارشيف من : 2005-2008

المغتال الجميّل.. والهدف المعارضة:الاغتيال.. الفتنة

المغتال الجميّل.. والهدف المعارضة:الاغتيال.. الفتنة

الهدف هو المعارضة. كل شيء يشير إلى ذلك ويدل عليه:‏

ـ ازدهرت سوق الكلام مؤخراً عن وجود لائحة اغتيالات يعد لها في لبنان. مصدر الكلام فريق السلطة وحلفاؤه الدوليون: بدءاً من رايس مروراً بوليد جنبلاط وانتهاءً بسمير جعجع. والأخير كان صريحاً لحد الريبة في تحديد سباق الاغتيال وبنك أهدافه: المطلوب اغتيال أحد وزراء الفريق الحاكم للوصول إلى الثلث المعطل. أليس هذا الكلام في مجمله بمثابة إيجاد المناخ الملائم لعمليات الاغتيال وتحضير المسرح الضروري لها، ليس لتنفيذها فحسب، وإنما لوضعها في خانة جهة وتحميلها المسؤولية مسبقاً، ولإيجاد الغطاء الضروري لصرف الانتباه عن الجهات المخططة والمنفذة والمستفيدة. لقد تناسى جعجع ان الحكومة باتت ميتة سياسياً ودستورياً منذ استقالة وزراء حركة أمل وحزب الله والوزير يعقوب الصراف، وبالتالي لا لزوم لفقدان النصاب، لأن المسألة باتت سالبة حكماً بانتفاء موضوعها.‏

ـ ان عملية الاغتيال جاءت في توقيت بالغ الدلالة سياسياً، فمن جهة كانت المعارضة قد أطلقت عملية العد العكسي للنزول إلى الشارع، تاركة نافذة فرص أخيرة لفريق السلطة، إما أن يستفيد منها وفي وقت قياسي وسريع، وإما أن يفوتها، فتصبح مسألة النزول إلى الشارع حتمية. والمعارضة في هذا كله بدت قوية واثقة من نفسها ومن قدراتها واستعداداتها وجاهزيتها، في حين كان فريق السلطة مرتبكاً وحائراً وقلقاً إلى أقصى الحدود.‏

ومن جهة أخرى كانت مسودة نظام المحكمة الدولية تخضع لبعض التجاذبات داخل مجلس الأمن جرّاء تحفظات واعتراضات كل من روسيا ودولة قطر.‏

في ظل هذا التوقيت السياسي من المستفيد من عملية الاغتيال؟‏

من له مصلحة في إرباك حركة المعارضة وشراء المزيد من الوقت، وصرف وجهة الأمور باتجاه مسارات أخرى؟‏

من له مصلحة في خلط الأوراق وتعميق حدة الأجواء الضاغطة والمقلقة، ومحاصرة التحرك السياسي للمعارضة تحديداً بالمخاوف والهواجس، سيما أن قوى السلطة تشيع منذ مدة هذه الأجواء، تارة عبر الكلام عن الفتنة وإثارة أجوائها وتوفير مناخاتها، وتارة أخرى عبر الكلام عن الحرب الأهلية والتحذير من الفوضى في ظل ما يتردد عن توزيع كثيف تقوم به السلطة للسلاح على مواليها.‏

والسؤال الأكثر إلحاحاً هو ذاك المتعلق بتلك المصادفة التي تجمع بين كل عملية اغتيال وكل مسعى لتهريب خطوة لها علاقة بالمحكمة الدولية.. لماذا اللجوء إلى تغطية عملية التهريب هذه بغطاء كثيف من الدم والقتل، وكأن المطلوب، بل هو المطلوب، تمرير هذه المسألة من دون أي نقاش علمي وموضوعي؟! هذا النقاش الذي يخشاه ويرفضه الفريق الحاكم.‏

ـ يكاد المريب يقول خذوني.. فما إن حصلت عملية الاغتيال حتى سارع أركان الفريق الحاكم إلى توجيه الاتهام يميناً وشمالاً.‏

قد يكون هذا الأمر مفهوماً سياسياً، إلا أنه بلا شك غير مفهوم ولا مقبول أخلاقياً. فهذا التسرع في توجيه الاتهامات ألا يستدعي التساؤل عما اذا كان الهدف منه توجيه الأنظار بسرعة عن الجهة الفعلية المسؤولة عن الاغتيال؟‏

ثم ما هذه السرعة في أخذ الاغتيال نحو الساحة المسيحية تحديداً في محاولة واضحة لإثارة نزاع مسيحي ـ مسيحي، يهدف للنيل من تيار بعينه، ومحاولة خطف الساحة المسيحية باتجاه المقلب الآخر. كلنا يعرف أن فريق السلطة والفريق الدولي الذي يعمل لديه (واشنطن، باريس إلخ)، اضطرب أيما اضطراب، وشعر بأنه فقد توازنه السياسي وغير السياسي عندما نجح كل من التيار الوطني الحر وحزب الله في التوصل إلى تفاهم سياسي بينهما.‏

كما أن هذا الفريق لم ينظر بعين الرضا إطلاقاً لمواقف التيار أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في شهر تموز/ آب الفائت، وهو الذي كان يراهن على أن تدفع هذه الحرب التيار إلى غير موقعه الحالي.‏

وأيضاً عمل فريق السلطة جاهداً لفك عرى التفاهم بين التيار الوطني وحزب الله، واليوم المستهدف الرئيسي من عملية الاغتيال هذه الساحة المسيحية عموماً، والتيار الوطني الحر تحديداً، ومعه المعارضة على نحو التلازم.‏

ـ إن المواقف التي سارع إلى إطلاقها أركان في الفريق الحاكم وما صدر عن تجمع 14 شباط، يكشف بسهولة مدى قدرة هؤلاء على استسهال الدم والقتل في سبيل أهداف سياسية رخيصة كالاستئثار بالسلطة، فقد سارع هؤلاء إلى وضع الاغتيال في وجه رئيس الجمهورية والمعارضة معاً. والهدف واضح، فهو بالنسبة الى رئيس الجمهورية الضغط عليه لدفعه إلى الاستقالة، أو ليفرضوا عليه تمرير صيغة المحكمة الدولية كما يشاؤون. وأما المعارضة فبهدف إرباكها وإفقادها زمام المبادرة ودفعها للتخلي عن النزول إلى الشارع.‏

ـ ومن مفارقات التوقيت السياسي لعملية الاغتيال، أن تحصل في اللحظة التي أخذت تقوى فيها الأصوات الداعية في واشنطن إلى ضرورة فتح جدار نشط مع كل من سوريا وإيران، في الوقت الذي لا يزال فيه تيار المحافظين الجدد على تشدده من هذه المسألة. فإذا كان الأمر هكذا، ألا تخدم عملية الاغتيال هذا التيار لإقفال أي نافذة حوار محتملة مع سوريا، ولإعادة الأمور إلى نقطة الصفر.‏

في مطلق الأحوال، إن عملية الاغتيال مؤشر كبير على أن الأمور الى مزيد من التعقيد، وأن فرص الحلحلة باتت صعبة جداً، وبالتالي فإن احتمالات المواجهة الى تزايد، في ظل الإصرار الدموي الأميركي ـ الإسرائيلي، والإصرار الدموي من قبل فريق السلطة على عدم القبول بالتسويات الديمقراطية والسلمية، حرصاً منه على الاستئثار بالسلطة أولاً، حتى لو اقتضى ذلك منه التلاعب بالدستور اللبناني كيفما يشاء، والتزاماً منه ثانياً بالوفاء بالتزاماته الاميركية.. حتى لا نقول أكثر.‏

الانتقاد/ حدث في مقالة ـ العدد 1190 ـ 24/11/2006‏

2006-11-24