ارشيف من : 2005-2008

مقارنة بين المحاكم المختلطة والمحكمة الخاصة بلبنان

مقارنة بين المحاكم المختلطة والمحكمة الخاصة بلبنان

نتيجة للدروس التي تم استخلاصها من تجربة المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا الايجابية منها والسلبية، برز الى الوجود نموذج جديد

للعدالة الدولية: المحاكم المختلطة التي تعمل تحت إشراف مشترك من الأمم المتحدة والدول المعنية. وتشكل هذه الطريقة محاولة للمزج بين فوائد المتابعات الوطنية مثل القرب الجغرافي والنفسي الى الضحايا، والأثر الايجابي على مؤسسات الدولة المحلية مع فوائد المشاركة الدولية كالموارد والموظفين والأمن. وقد أقيمت المحاكم المختلطة في سيراليون والمحكمة الخاصة، المقامة بالبلد والتي شرعت مؤخرا في أعمالها، وتتكون من قضاة محليين وقضاة دوليين يطبقون كلا من القانون الوطني والقانون الدولي. وهناك نوع آخر من النموذج المختلط في تيمور الشرقية. كما ان إمكانية إقامة المحاكم المختلطة أكبر من المحاكم الدولية الصرف، فعلى سبيل المثال تبلغ تكلفة ميزانية المحكمة الخاصة لسيراليون تقريبا خُمس الميزانية السنوية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا وتمتاز كذلك المحاكم المختلطة بكونها تقام على أراضي الدولة المعنية ان لم يكن هناك سبب يمنع ذلك، كما ان موظفيها ينتمون بشكل عام الى الدولة عينها وتجد مساندة مباشرة من لدن الأنظمة القانونية الوطنية. ومن المحتمل أن يصبح النموذج المختلط أكثر انتشارا خلال السنوات القليلة المقبلة، باعتبارها توفر حلاً للأنظمة الوطنية الواسعة الامتداد والقليلة التجهيزات. وفي الوقت نفسه، قد تواجه هذه المحاكم المختلطة انعدام التعاون من طرف الدولة التي تقام عليها أو من طرف دول اخرى، إلا أن العلاقة مع مجلس الأمن وسلطات "الباب السابع" من ميثاق الأمم المتحدة يمكن أن تسد بعض الثغرات. كما ان الرغبة في اكتساب الاستقلال المحلي الى أقصى حد أدى الى نتائج عكسية لصعوبة العثور في بلد عدالته مشكوك فيها على موظفين ذوي خبرة ومدربين بشكل مناسب. وأخيرا، وكما هو الشأن بالنسبة الى المحاكم الدولية، قد تثير المحاكم المختلطة آمالا وطنية تتجاوز ما هو ممكن عمليا بالنظر الى الموارد المحدودة والقيود الداخلية التي ترجع الى عملية العدالة القضائية.‏

والمحاكم المختلطة هي بطبيعتها موائمة للقوانين الدولية والوطنية بهدف الوصول الى الحقيقة والعدالة في أمر ما، وهي تنشأ باتفاقات خاصة بين الدولة المعنية والأمم المتحدة، تحدد فيها كل الأمور المتعلقة بالمحكمة لجهة التشكيل والقوانين التي تلجأ اليها، إضافة الى قواعد الإجراء والتنفيذ. أما لجهة السوابق فثمة العديد منها، كان آخرها المحكمة المختلطة في كمبوديا الخاصة بمحاكمة الجرائم المنسوبة الى الخمير الحمر إبان الحرب الاهلية الكمبودية بين الأعوام 1975 و,1979 وقد صدر قرار عن الأمم المتحدة بتاريخ 13/5/2003 يتضمن الموافقة على الاتفاق الموقع بينها والحكومة الكمبودية على شكل المحكمة وما يتعلق بها من إجراءات، ونص الاتفاق على إنشاء غرفة قضائية أولية غير عادية، مؤلفة من ثلاثة قضاة كمبوديين يعينون بقرار من مجلس القضاء الأعلى الكمبودي من قاضيين دوليين، وكذلك إنشاء محكمة عليا تنظر كمحكمة استئناف وكمرجع أخير وتعتبر غرفة من غرف محكمة التمييز وتتشكل من أربعة قضاة كمبوديين يعينون ايضا من قبل مجلس القضاء الأعلى ومن ثلاثة قضاة أجانب. ويعهد الى هذا القضاء الخاص أمر المحاكمة ومنها جرائم الارهاب. وتوكل مهمات الملاحقة الجزائية والاتهام أمام هذا القضاء الى هيئة اتهامية مختلطة مؤلفة من نائب عام كمبودي ومن نائب عام دولي يختاره مجلس القضاء الأعلى الكمبودي من بين لائحة مؤلفة من شخصيتين متخصصتين يرفعها الأمين العام للأمم المتحدة الى الحكومة الكمبودية. كما ان تعيين القضاة الأجانب يتم من قبل المجلس العدلي الكمبودي بناء على لائحة مقدمة من الأمين العام للأمم المتحدة، واللافت في هذه المحاكم صدور القرارات بالإجماع في المستويين، وإذا تعذر بالغالبية شرط وجود قاض دولي بين المؤيدين على الحكم ضمانا للعدالة والصدقية. إضافة الى أن الاجراءات ستتبع قانون العقوبات الكمبودي مع إجراء بعض التعديلات عليه بما يتوافق مع بعض معايير المحاكمات الدولية كعدم الأخذ بأي حصانة قضائية أو أي عفو عام أو خاص. والسابقة الاخرى المحكمة المختلطة في سيراليون وفقا لقرار مجلس الأمن 1315 تاريخ 14/7/,2000 وقد أنشئت في العام 2002 وهي مؤلفة من قضاة سيراليونيين ودوليين للنظر بالجرائم الخطيرة التي حدثت في العام ,1996 مع ملاحظة بعض التعديلات ايضا على القوانين الوطنية بما يتوافق والمعايير الدولية لإجراءات المحاكمة والأحكام.‏

أما السابقة الثالثة فهي المحكمة الخاصة المختلطة في تيمور الشرقية المنشأة بقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1272 تاريخ 25/11/1999 الذي وضع تيمور تحت إدارة انتقالية تابعة للأمم المتحدة، بهدف محاكمة المسؤولين عن الجرائم ضد الانسانية المرتكبة منذ العام ,1975 وعمدت الأمم المتحدة الى إنشاء قضاء خاص تألف من قضاة وطنيين ومن ممثلين متخصصين للأمم المتحدة تم تعيينهم من قبلها، والذي ينظم هذا القضاء وفقا لقواعد القانون الدولي التي تحكم المحاكمات العادلة والنزيهة والمنصوص عليها خصوصا في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. وإذا كان هناك من سبب يمكن أن يواجه انعقاد المحكمة المختلطة على الأراضي اللبنانية لدواع مختلفة كما هو مشار في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة الى مجلس الأمن، فمن الممكن انعقادها خارج لبنان وهو أمر بدوره يستلزم بعض الاجراءات، منها وجوب توقيع اتفاق مع الأمم المتحدة توضع بموجبه أصول المحاكمة وقواعدها وتحدد فيه صلاحية المحكمة المادية والشخصية والزمنية. على أن ينص الاتفاق على تطبيق الاصول والاجراءات الجزائية اللبنانية مع بعض التعديلات التي تقتضيها المحاكمات المتوافقة مع المعايير الدولية والتي تتطلبها المحاكمة العادلة، والمراجعة أمام هيئة قضائية عليا. وكذلك توقيع اتفاق مع الأمم المتحدة على أن تمنح المحكمة المختلطة حق إلقاء القبض على الاشخاص المتهمين مهما كانت جنسياتهم، وعلى أن تتولى الأمم المتحدة مهمة التفاوض مع الدول التي يتبين أن أحد رعاياها ضالع في عملية الاغتيال أو التفجيرات وذلك بهدف تسليمه الى المحكمة المذكورة. إضافة الى قضايا التعويضات الناجمة عن الأذى الذي لحق بالمتضررين من جريمة الاغتيال.‏

إن قضية تمويل المحكمة تعد من أبرز عوامل استمرارها وبالتالي نجاحها، ما يتوجب البحث عن وسائل التمويل، لا سيما أن تقرير الأمين العام أشار الى وجوب مساهمة لبنان في جزء من النفقات المتوقعة. وفي الواقع ان مساهمة لبنان تعتبر ضرورية بل واجبة باعتبارها قضية وطنية ومطلبا يجمع عليه اللبنانيون، وفي هذا المجال نقترح إنشاء آلية تمويل تغذيها تبرعات داخلية ومنح مالية خارجية. إضافة الى التمويل ثمة مكان انعقاد المحكمة ونقترح دولة قبرص نظرا لقربها من لبنان وما يمكن أن يوفر هذا الخيار من مصاريف التنقل والإقامة للشهود ومختلف المصارفات اللوجستية. إن التداخلات السياسية في مثل تلك المحاكم تعتبر من الأمور المعتادة، فمجلس الأمن مثلا كان أجاز لنفسه حق التدخل في المحكمة الجزائية الدولية من خلال الطلب الى القضاة بتعليق ملاحقة الشخص المتهم لمدة عامين.‏

وإذا كانت هذه السوابق يمكن الاحتذاء بها في تقييم ما ورد في النظام الأساسي للمحكمة المقترحة، فما هي المقاربات والملاحظات التي يمكن استخلاصها في سياق التعليق على نصوصها. في التسمية تم اللجوء الى تغيير اسم المحكمة من المختلطة الى المحكمة الخاصة بلبنان، ما يوحي وكأن لبنان بأكمله بيئة مناسبة لاقتراف الجرائم الارهابية، ونزع صفة الخصوصية عن المحكمة المختلطة التي هدفت الى محاكمة قتلة الرئيس رفيق الحريري.‏

لجهة الاحتذاء بالسوابق فثمة اتجاه للأخذ بما توصلت اليه الأمم المتحدة من إنشاء محكمة مختلطة لتيمور الشرقية التي غلب عليها الطابع الدولي أكثر من المختلط، بمعنى ان نظام المحكمة لتيمور أسس بيئة مناسبة لتغيير وتعديل القوانين المحلية بما يتناسب مع ظروف التدخل الدولي آنذاك لإنشاء نظم قانونية جديدة. وأخطر ما في ذلك من إمكانية تطبيق هذا الخيار على الواقع اللبناني بما يحمله من إمكانية تعديل الكثير من القوانين اللبنانية وهذا ما أتى في بعض المواد التي سنشير إليها لاحقا.‏

لم يؤخذ بالنموذج الكمبودي على سبيل المثال، ففي تلك المحكمة يلاحظ الغلبة للبيئة القانونية المحلية حيث عدد القضاة في كلا الدرجتين هم أكثر من القضاة الدوليين، وكذلك تعيين القضاة الدوليين يتم من قبل المجلس العدلي الكمبودي بناء على لائحة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة وكذلك تعيين المدعي العام الرديف، بينما في نظام المحكمة الخاصة في لبنان الأمر معكوس تماما.‏

ليس ثمة أية سابقة أن أنشئت محكمة خاصة دولية أو ذات طابع دولي بهدف محاكمة مرتكبي جريمة سياسية، ويبدو من توصيف الجريمة في الأساس أنها عمل إرهابي هدفه إتاحة الفرصة لمجلس الأمن التدخل لأهداف سياسية متعلقة ببعض دول المنطقة.‏

وخلافا لمحاكم اخرى لن تنظر المحكمة في جرائم تعتبر عادة جرائم ضد القانون الدولي كجرائم الحرب والإبادة الجماعية والجرائم ضد الانسانية. وفي ما يتعلق بجريمة الارهاب التي تتكرر بشكل واضح في قرارات مجلس الأمن فليس هناك تعريف متفق عليه في القانون الدولي لهذه الجريمة أو عقاب معين لها. وليس هناك سابقة لمحكمة دولية أن نظرت في جريمة وصفت بأنها عمل إرهابي. لذلك لا مناص من تطبيق القانون اللبناني على جريمة هي في الأساس من اختصاص القضاء اللبناني. وهذا ما نصت عليه المادة الثانية من مسودة النظام الاساسي للمحكمة المقترح.‏

لقد تم التنازل عن كل ما حفظه مجلس الأمن في قراره الرقم ,1595 الذي أنشأ لجنة التحقيق الدولية، للسلطات اللبنانية من سيادة بالنسبة الى إدارة التحقيق وتطبيق القانون في شأن الأعمال الجرمية التي رافقت اغتيال الرئيس الحريري وآخرين، اذ نصت المادة (4) من مسودة النظام الأساسي للمحكمة "عند تعيين المدعي العام وفي فترة لا تتعدى الشهرين، ستطلب المحكمة الخاصة من السلطات القضائية الوطنية المسؤولة عن قضية الهجوم الارهابي على رئيس الوزراء رفيق الحريري وآخرين، الخضوع لاختصاصها"، وكذلك سوف تحيل السلطات اللبنانية بناء على طلب المحكمة الخاصة الموقوفين ونتائج كل التحقيقات ونسخ عن سجل المحكمة. وبناء على طلب المحكمة ايضا، "ستخضع السلطة الوطنية المعنية لاختصاص المحكمة".‏

إن كف يد القضاء اللبناني بصورة فورية وقبل انتهاء التحقيق يعتبر مخالفا لقرار مجلس الأمن الرقم 1644 الذي أقر في البند (6) منه طلب الحكومة اللبنانية بأن "يحاكم من توجه لهم في آخر المطاف تهمة الضلوع في هذا العمل الارهابي أمام محكمة ذات طابع دولي..."، فهل بلغ التحقيق آخر المطاف؟ وهل يجوز اختصار التحقيق أو النيل من وحدته من طريق إحالته على مدعي عام المحكمة الخاصة قبل تمامه؟‏

ثمة ثغرات كبيرة لجهة القانون الواجب التطبيق من الناحية الاجرائية والتي تثير الشبهة وعلامات الاستفهام. فبالنسبة الى إجراءات المحاكمة وقواعد الاثبات، فإن مسودة نظام المحكمة لم تلحظ قواعد معينة لأصول المحاكمات وقبول الأدلة. اذ ترك لقضاة المحكمة الخاصة وفقا للمادة (28) وضع نظام إجراءات بعد تأليفها وهو أمر يمثل سابقة خطيرة في القضاء الجزائي. في المادتين (13) و(16) منه، أخذ مشروع النظام بصورة عامة المعايير الدولية للمحاكمات الجنائية الدولية وبخاصة لجهة حقوق المشتبه فيهم والمتهمين، بيد أنه أغفل الاشارة الى حق الموقوف في طلب تخلية سبيله من المدعي العام لدى المحكمة الخاصة ضمن مهلة زمنية معقولة اذا لم تتوافر لدى المدعي العام أدلة في حقه تجيز استمرار التوقيف. وهذه فجوة مهمة جدا بالنسبة الى مصير الضباط الموقوفين.‏

ان أخطر ما في مسودة نظام المحكمة الخاصة توسيع صلاحيات المحكمة بحيث تمتد، بالاضافة الى جريمة اغتيال الرئيس الحريري، الى أعمال اخرى مماثلة في طبيعتها وخطورتها "حصلت في لبنان بين الأول من تشرين الأول 2004 و31 كانون الأول 2005 أو أي تاريخ لاحق يقرر باتفاق الاطراف المعنية وموافقة مجلس الأمن". ان توسيع صلاحية المحكمة هذا، يتعدى منطوق قرار مجلس الأمن الرقم 1664 الذي هو المستند الأساسي في إنشاء المحكمة الدولية، والذي يحصر ولاية المحكمة "بالتفجير الارهابي الذي أدى الى مقتل رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري وآخرين" على أن تنشأ "محكمة ذات طابع دولي لمحاكمة جميع من تثبت مسؤوليتهم عن هذه الجريمة الارهابية".‏

ان توسيع صلاحية المحكمة في الزمان وبالنسبة الى أفعال جرمية يترك لاستنساب المحكمة تبني معايير التشابه في الطبيعة والخطورة مع الأعمال الجرمية التي أودت بحياة الرئيس الحريري، يخالف مبادئ أساسية في القانون الجزائي، وخاصة ان قرار مجلس الأمن الرقم 1664 اعتمد كون المحكمة ذات الطابع الدولي يجب أن تستند الى "أعلى المعايير الدولية في القضاء الجنائي". ان قرار توسيع اختصاص المحكمة الى أعمال جرمية قد ترتكب مستقبلا ويترك للمحكمة القرار في شأن اختصاصها للنظر فيها، يصعب تجريده من أهداف سياسية.‏

ليس ثمة اية هيئة قضائية أو إدارية يمكن مراجعتها في حال مخاصمة أحد القضاة أو موظفي المحكمة لأسباب إدارية أو مالية.‏

لم تحدد المادة (5) من مشروع الاتفاق، كيفية تمويل المحكمة. ثمة الكثير من النصوص الغامضة والملتبسة القابلة للتأويل وبالتالي إمكانية استثمارها السياسي باتجاهات تحرف عمل المحكمة عن الوصول الى الحقيقة. وبخاصة التوسع في إمكانية شمل الجرائم وما يمكن ربطها بها. فماذا على سبيل المثال لو توصلت المحكمة الى استنتاج مفاده أن أي عملية نفذت ضد اسرائيل هي عمل إرهابي وبالتالي سيكون الموضوع من صلاحيتها للنظر به. أسئلة كثيرة تطرح نفسها ومن الصعب الاجابة عليها من دون النظر الى الخلفيات السياسية التي تستهدفها القوى الدولية من إنشاء مثل هذه المحاكم. ثمة جرائم كثيرة وكبيرة افتعلت ونفذت عبر التاريخ لتمرير أشياء اخرى ليس لها علاقة بالمحاكمات التي جرت لها لاحقا، والثابت في التاريخ أن كل الجرائم الكبيرة التي تنفذ ليس لكشفها لاحقا بقدر ما تكون تغطية لتمرير مؤامرات بحجم الجريمة المرتكبة.‏

(*) أستاذ جامعي‏

28/11/2006‏

2006-11-28