ارشيف من : 2005-2008
هل تساهم «عنصرية» الفريق الحاكم في حلحلة الازمة؟
استحضار الفتنة المذهبية خطيئة واقتحام السراي لم يكن وارداً ولكنه غير مستبعد
كتب ابراهيم ناصر الدين
منذ فترة وجيزة كتب احد اصدقاء وزير الدفاع الاميركي المستقيل دونالد رامسفلد يقول انه مصدوم بصديق عمره بعد ان اكتشف فجأة انه مصاب بمرض «انكار الواقع»، فهو غادر منصبه بسبب الاخفاق في الحرب على العراق وما يزال يعتقد انه نجح في مهمته وان الامور على خير ما يرام.
بالامس انضم رئيس الحكومة فؤاد السنيورة الى المصابين بهذا المرض الذي يتصدر رأس قائمته حليفه الرئيس الاميركي جورج بوش المؤمن بنجاح استراتيجيته رغم خسائره الممتدة من افغانستان مروراً في العراق وفلسطين وصولاً الى لبنان.
وتشير مصادر سياسية معارضة الى ان «حالة انكار» الواقع لدى الرئيس السنيورة تبدو انها في حالة متقدمة كونها تطورت لتصبح انكاراً للذات ويصحبها عوارض من فقدان الذاكرة وتكرار مملّ لكلام بات اللبنانيون كافة مقتنعين انه لا يمت الى الواقع بصلة.
والانكى من ذلك فان رئيس الحكومة نسي انه على رأس هيئة تنفيذية يفترض بها ان تحكم البلاد وتتمتع بثقة غالبية اللبنانيين، واصبح النجاح بالنسبة اليه اليوم تأمين سلامته داخل قصره الحكومي محمياً بالجيش وبالاسلاك الشائكة، وفي رأيه فانه اذا نجح في عدم سماع الاصوات القادمة من الساحة المجاورة وتمكن من النوم ليلاً، وهو امر مشكوك به، واستقبل في اليوم الثاني زواراً في السراي فان البلد بخير، وبالتالي فان التاريخ سيسجل له انه صمد، وواجه، ولم يذعن.
وتشير المصادر عينها الى ان الادعاء بعدم المبالاة تكشفه حالة الذعر التي سادت في القصر الحكومي بعد ورود المعلومات العاجلة الى رئيس الحكومة بان عناصر «حزب الله» بدأوا نصب الخيم على مداخل السراي الحكومي في بداية تحرك لحصار المبنى. وهو امر لم يكن في حسبان قوى المعارضة التي تفاجأت بسيل الاتصالات والوساطات لعدم القيام بهذه الخطوة، التي قد تكون في سياق الخطوة التصاعدية المرسومة ولكنها لم تكن على جدول اعمال التحرك امس.
وتشير المصادر الى ان المبالغة في تضخيم الحدث مردها الى سببين الاول الخوف السائد داخل القصر الحكومي والذي انعكس على الموجودين كافة داخله من اعلى مسؤول الى اصغر مستشار اعلامي مما انعكس هلعاً وارباكاً كادا يورطان البلاد بعواقب لا تحمد.
اما السبب الثاني فيعود الى محاولة مفضوحة من قيادة «14 شباط» الى اظهار الدعم الخارجي لها واستعراض عضلاتها امام المعارضة لابلاغها ان هناك خطوطاً حمراء لا يجب تجاوزها في هذه المرحلة او في الايام القليلة المقبلة.
وفي هذا الاطار ترى مصادر المعارضة ان الخوف مبرر ولا احد يلوم رئيس الحكومة عليه لان من يواجه شعبه لا يمكن الا ان يخاف على مستقبله مع فريقه السياسي.
اما محاولة الايحاء بان حكومته مدعومة من المجتمع الدولي فهي اسلوب فاشل يؤذي ولا يفيد، لان الشرعية لا تكتسب إلا من الداخل ولا يكفي ان يقول احد ما انه موجود وشرعي ولكنه في المقابل غير قادر على مغادرة القصر الحكومي لانه لا يعرف اذا كان باستطاعته العودة اليه وهو يخشى دخول الناس الى هناك فور مغادرته.
وتشير المصادر الى ان الخطأ الكبير الذي وقعت فيه قوات السلطة امس هو محاولة تحويل الصراع الى معركة سنية - شيعية من خلال الايحاء بأن الحضور الشعبي كان شيعياً وهدفه احتلال موقع للسنة، اما الخطيئة الكبرى فكانت توريط مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني مباشرة بالازمة السياسية والطلب منه اداء صلاة الجمعة في السراي الحكومي الذي يفترض ان يكون صرحاً لكل اللبنانيين وغير محسوب على مذهب رئيس الحكومة.
اما الطامة الكبرى على حدّ قول مصادر المعارضة فهي تهافت الاتصالات وردود الفعل من السعودية وعمان والقاهرة وواشنطن ولندن وباريس وبرلين رفضا لإسقاط الحكومة ودعما لرئيسها السني القريب من الغرب وكل ذلك يترافق مع تحذيرات من حرب اهلية اذا استمر الوضع على ما هو عليه.
وامام هذه الوقائع تؤكد مصادر المعارضة ان هذا الدعم المباشر والوقح سببه شعور داخلي وخارجي بأن الآتي من قبل الشارع سيكون اعظم وان الامر لن يطول اكثر من ساعات حتى تبدأ الخطوة الثانية التي ستكون اكثر فاعلية ويفترض بحسب تقاطع المعلومات ان تكون ساعة الصفر الجديدة يوم الاثنين.
وتتوقع المصادر ان لا تتطول الازمة على الرغم من الايحاء الاكثري بعدم الاكتراث بها يحصل ففي نهاية الامر لن يستمر زخم الدعم الدولي على ما هو عليه خصوصا ان الخطوات المقبلة ستدفع هذه الدول الى الإقتناع بواقع الحال وسترضى بالحصول على ما يعرض عليها لان المقابل سيكون خسارة كل شيء.
وتلفت مصادر مطلعة الى ان المصالح الدولية هي فوق كل الادوات اللبنانية الحاكمة اليوم والتسويات الإقليمية اذا ما حصلت ستنكعس اوامر مباشرة للمتعنتين اليوم بالقبول بالشراكة خصوصا ان واشنطن تخشى في حقيقة الامر انتشار الفوضى مجددا في لبنان وهو ما سيؤدي تلقائيا لإنسحاب القوات الدولية من الجنوب وهو امر مقلق جدا بالنسبة لاسرائيل التي ينتابها قلق جدي من انهيار حكومة السنيورة ولكنها لا تريد بأي شكل من الاشكال استئثار حزب الله وحلفائه بالسلطة منفردين وهي لذلك قد ترضى بالكحل بدل «العمى».
وفي هذا السياق ترى مصادر المعارضة ان الجميع يعرفون ان انطلاق تحرك المعارضة لم يكن عبثيا والخطة الموضوعة معدة بإتقان وتجربة حزب الله بشكل خاص كافية لضمان نجاحها لذلك فلا خوف من التهويل ومحاولات تحويل الصراع الى حرب مذهبية او فتنة داخلية والايام القليلة المقبلة ستظهر للقاصي والداني ان الامور محسوبة بشكل دقيق لان المعارضة تعرف جيدا مكامن الضعف عند قوى السلطة التي لن تستطيع تحمل الضغوط الآتية.
اما تنبؤات الوزير مروان حمادة وتوقعاته بعدم حصول عصيان مدني في البلاد وتحديده للخطوط الحمراء غير المسموح تجاوزها من قبل المعارضة فهي مضحكة برأي المصادر عينها، لأن «فاقد الشيء لا يعطيه» والوزير سيفاجأ كثيرا، وكان عليه ان لا يتحف اللبنانيين بتصريحاته خصوصا انهم لم ينسوا بعد انه استبعد بشكل قطعي وواثق استقالة الوزراء الشيعة من الحكومة في الليلة التي سبقت هذه الاستقالات.
اما رئيس الحكومة فهو لن يستطيع ان يبقى حبيسا في زنزانته مع وزرائه وهم تعودوا على حياة الرخاء والبذخ ويبحثون دوما عن «السعادة» التي حرمتهم منها المعارضة في هذه الايام، ولذلك لن يتحملوا وجود هذا الكم الهائل من هؤلاء الناس الذين ينظرون اليهم بدونية فاضحة في وسط بيروت فهل تساعد «عنصريتهم» في حل الأزمة؟
المصدر: صحيفة الديار اللبنانية
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018