ارشيف من : 2005-2008
أبو محمد شكر اشتاق لصوت الأحبة:الخبر العاجل.. عائلته بأكملها
.. وغفت أعين الأربعة مع أمهم وأختهم، يحلمون بغد خالٍ من نعيق البوم وزعيق الغربان، يتوقون للقاء أبيهم المغترب الذي أعد حفلة لجمعهم بعد طول فراق، ومهد لوصولهم بإعدادات لمستقبل مشرق بأزاهير وتغريد طيور: محمد، بلال، طلال وياسين، أربعة اخوة وأمّ صابرة بقوا في بيت ظنوا أنه آمن من غدر طائراتهم، وباتوا يتسامرون ويحكون حكايا المستقبل الذي أعدّه أبوهم في الاغتراب، وينامون على أحلام العمر ويقفلون سماعة الهاتف على آخر كلمة من أبيهم: "الله يرضى عليكم يا ولادي".
هو الاتصال اليومي الذي لم ينقطع يوماً بينهم، فهم كل ما خرج به من الدنيا، وقد آثر آلام الغربة لتأمين حياتهم وتمهيد طريقها لهم..
الخبر العاجل ذلك اليوم كان من النبي شيت، حيث كانت أهداف الصهاينة بيوتاً مدنية آمنة.. وللمرة الأولى لم يكن أحدنا بالانتظار ليرد على رنين الهاتف، والهاتف المحمول تحت الركام، لم تعد هناك يد لتحمله ولا لسان يلهج بكلمات تطمئنني وأنا الملهوف لمعرفة الخبر.. يقول الوالد أبو محمد هذه الكلمات مستعيداً تلك اللحظات السوداء من حياته.
ويعود إلى "كربلاء" وترتسم صورة أبنائه في خياله ويأمل بكلمة تزيل الصورة القاتمة من رأسه، متمنياً أن تكون وهماً، إلى أن تيقن بأنه وعائلته هو الخبر، بيته صار ركاماً، وأطفاله الذين يشبون على الحياة صاروا طعمة لصواريخ طائرات العدو الصهيوني. أبو محمد حسين الذي عاد من الاغتراب بشوق لرؤية أبنائه الذين لم يغيبوا ولن يغيبوا عن العقل والقلب، راح إلى قبورهم التي احتضنتهم مع أم حنون آلت إلا أن تبقى معهم، تاركة ابنة في ريعان الصبا جريحة تئن من ألم الجرح ومن ألم الفراق.. بقيت لتضمّد جراح أبيها التي لن تندمل حتى يثأر لفلذات كبده من أعداء الله الذين ظلموهم كما يقول. ويستذكر أبو محمد والد الشهداء الأربعة زوجته الوفية التي حافظت على العهد وأحسنت تربية أغلى ذرية، واحتضنتهم ونامت شهيدة بينهم.. ويستذكر شريك الروح محمد الذي أهداني نجاحه قبل النتائج، والذي يقلق اذا ما تأخرت في الاتصال اليومي ولو للحظات. كنت أعيش بينهم نناقش أحوالهم يومياً وأتابع ما يجري في البيت والجامعة والقرية، وحين أعلمته بأنني تقدمت بطلب استقدامهم إلي كان محمد أكثر الفرحين، وقال بلهفة: عندما أصل اليك لدي كلام كثير لأقوله لك، ولكنني لم أعرف ماذا كان يريد أن يقول..
يضيف الوالد: لقد اشتاقت روحي لسماع أصواتهم، أنا لم أسمعهم منذ أربعة شهور.
رسائل العزاء
وفي ما يشبه الرحيل على جناحي الحزن والصبر يطلق والد الشهداء مناجاته في كلمات قصار يوجهها لأولاده فيقول: ولدي محمد، لقد ذهبت إلى الجامعة واستلمت هديتك وشهادتك، وستبقى هذه أغلى هدية، وسأبقى أناجيك في العلياء حتى نجتمع معاً ويكتمل الصف ويلتئم الشمل وأحتضنكم جميعاً.
أما بلال، فهل أنساك وأنت من سمّيناك باسم عمّك الشهيد بلال.. فقدرك يا ولدي ان تكون مظلوماً مع والدتك وإخوتك على يد قتلة الأنبياء بني صهيون.. بلال أنت مودع سرّ أبيك وصديقه، أنت الذكي الذي أتقن برمجة الكمبيوتر دون أن يعلمه أحد.. بلال الرجل الصغير السن لم يشأ أن يأتي إليّ إلا بعد أن ينهي التزامات عليه، حمل همّها لأجل بعض الأقرباء.
بلال كنت الناصح لأبيك، وكلماتك ما زالت في رأسه، وسيحافظ عليها، ولكني نادم يا بني لأنني سافرت بعيداً عنكم، وكنت أعتقد أن هذا لتأمين مستقبلكم، لكنها حكمة الله.
أما أنت يا مهجتي يا هلال، فلا أدري كيف أبدأ معك، وأنت الذي طلبت مني العودة وقلت: "اشتقنالك يا بيي".. عذراً يا ولدي، كان عليّ العودة وترك الغربة التي خسرت معها أغلى ما في الدنيا.. ولدي، ماذا عساي أفعل إلا الرضوخ لإرادة الله.. لكنني أعدكم بأنني سأقتص ممن ظلمكم.. أما رسوماتك يا أعظم فنان بنظري، فسأعمل على تحقيق أمنيتك بإقامة معرض لها، وأعلم أنك معي أنت ووالدتك وإخوتك في كل خطوة، لكن ادعوا لي لدى الإمام الحسين المظلوم أن نكون معاً..
وإليك يا بسمة البيت وآخر العنقود، اليك يا عمري يا ياسين، كيف أنساك وأنت الذكاء والفطنة وبسمة البيت.. أنت المتفوق بامتياز.. أنت الذي تحاول ان تضحكني كلما سمعت ان صوتي متغير.. لا أنسى حين قلت لي ان لا أخاف عليكم لأنكم أصبحتم رجالاً. ولدي، عندما سمعت بمظلمتكم أنت وإخوتك وأمك عدت لأضمكم بشوق، فلم أسمع منكم كلمة.. تحدثت كثيراً فلا إجابة..
ولدي، عدت اليكم مشتاقاً لأضمكم إلى صدري فلم أجدكم، فقدمت إلى قبوركم ألثم ترابها الذي جبلته بدموعي ألماً، وتحدثت اليكم طويلاً وطويلاً جداً، ولكن ليس من مجيب، فسلمت أمري الى الله الخالق الذي يعطي الحياة وبيده الموت.. أبنائي، كنت مثلكم الأعلى، واليوم أنتم مثلي الأعلى، وكنتم تطلبون الرضى مني، وأنا اليوم أطلب رضاكم..
ويمضي بمخاطبة أولاده فيقول: أمنيتي يا أحبتي أن ألتقي مثلنا الأعلى وقائدنا المفدى السيد حسن نصر الله، لا للسؤال، بل لنستمد منه الصبر والرأي السديد. أنا وشقيقتكم الغالية الشهيدة الحية بشرى، وأطمئنكم الى أنني سأحفظها برموش العيون، وسأعمل على تحويل المنزل المهدم الذي انتقلتم منه إلى الرفيق الأعلى إلى دارٍ لتحفيظ القرآن، لأني رأيتكم لثلاث ليالٍ في مدرسة أطفال مع والدتكم العزيزة. لذا سأبذل جهدي لتحقيق هذا الهدف، لعلّه يكون صدقة جارية عن أرواحكم وروح جدكم الحنون وعمكم الشهيد، شهيد الحق الحسيني بلال. وفي ختام كلامي وباسمكم يا أحبتي، أشكر من انتشل أجسادكم الطاهرة من بين ركام البيت، وكل من خاطر بنفسه وسار خلف نعوشكم الملائكية.
أما للظالمين من أميركا إلى بني صهيون إلى العملاء الذين أشاروا إلى بيتنا، فأقول حسبي الله ونعم الوكيل، وليساعدني الله لأثأر لدمائكم، انه على كل شيء قدير، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
أولادي وزوجتي الأحبة، أعلم أنكم أحياء عند ربكم ترزقون، لذا أسألكم الدعاء لي ولشقيقتكم الغالية بشرى التي تفتقدكم أكثر مني، ولا تنسوا الدعاء لحبيب قلوبنا جميعاً نور، هذا الزمان الذي يبلسم بإطلالته وكلماته جراحنا، وأن ينصره الله وينصر حق آل محمد (ص). وأسأل الله أن أحمل لكم معي خبر ثأري لدمائكم الزكية، وقد أخبركم حينها ان الله منّ عليّ وعلى بشرى بالتبرك ممن أحببناه مع توأمه أبي ياسر، ولكم ولجميع الشهداء صنّاع النصر الرحمة.
بشرى
وتحكي بشرى الجريحة التي بقيت لتنعش العمر المتبقي لأبيها المفجوع برغم جراحها، فكانت كلماتها لأمها:
أمي، وقفت وحيدة في عتمة الجدران وصرخت بكل الألم الساكن في ربوعي
فرددت النسور النداء
وأسدل الليل ستاره المظلم البهيم
وبان القمر بعيداً.. والنجوم تائهة..
فتشت عن أمي فلم أجد لها أنيناً
ورحت أجول في الحدائق لعلي أراها وأسمع صوتها الحنون، فلم أرَ سوى تربة تكفكف حزني وتلفح قلبي بالعذوبة والسكينة والطمأنينة، وأطلقت العنان لملكات الحزن تنادي أمي.
أمي طال الغياب وبعدت المسافات بين قلبي وقلبك، وأثقلت الدموع جفوني..
أمي، رحلت على غير عادة.. رحلت وطفلتك ما زالت صغيرة.. ما زالت تطرق باب غرفتك المدمرة لعلك تفتحين لها مرة.. أمي، قولي لي: من التي ستمسح لي الدموع اذا سالت على خدي.. ومن التي ستضمني إلى صدرها اذا رماني العمر على حافّة الموت.. ومن التي سألقاها اذا ردني الأمل إلى أمي.. أمي.. اشتقت لهدأة عينيك ولإخوتي في السحر.. أمي، أناديك عبر مرارة الحياة وقسوتها، وليتك لندائي تستجيبين..
عصام البستاني
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018