ارشيف من : 2005-2008
الساحة المسيحية على وقع فشل الانقلاب السياسي على الجنرال
مخاض عسير مرت به الساحة المسيحية بعد الفشل الذريع الذي منيت به قوى السلطة في محاولة الانقلاب التي عملت لاحداثها في الشارع المسيحي بهدف ولادة صورة جديدة مغايرة للمشهد الذي طبع هذه الساحة في العامين الأخيرين، وقد تبدّى بشكل واضح وصريح محاولة الفريق الحاكم وبشكل اساسي القوات اللبنانية، اتخاذها جريمة اغتيال الوزير بيار الجميل ذريعة لشن حرب إلغاء تستهدف التيار الوطني الحرّ بهدف إقصائه أو محاصرته في سعي انكشف من اللحظة الاولى، مع اطلاق سيل من الاتهامات طاولت العماد ميشال عون، وترافقت مع أعمال شغب وإحراق صور في العديد من المناطق من قبل عناصر "القوات".
وبات واضحاً لمتتبعي الساحة المسيحية أن القوى الحاكمة في السلطة لعبت دوراً "مافياوياً" في أعقاب اغتيال الجميل، وذلك بغية احداث خلل في التوازنات القائمة على الساحة المسيحية، وهو ما ظهر جلياً من خلال التوظيف السريع والمبرمج لجريمة الاغتيال، وانتهاز الفرصة لتبديل ما تكوّن لدى شريحة واسعة من المسيحيين منذ فترة غير قصيرة، وعنوانه التهميش والاسئثار.. الذي عبّرت عنه بكركي في كثير من المناسبات، وليس أقله في موضوع التعيينات الإدارية وخلافه من القرارات التي صدرت في عهد هذه السلطة الحاكمة، علاوة على ذلك فشل السلطة في احتواء العماد عون غداة وصول طاولة التشاور إلى الحائط المسدود عندما "أغرته" بأربعة وزراء، وهذا من دون أن ننسى الاحتضان الشعبي لخيارات عون، والتي ظهرت بالفعل على حقيقتها في تظاهرة 15 تشرين الأول الماضي.
ويقول مصدر مطلع على الساحة المسيحية "إن أحد الأدوار الأساسية لجريمة اغتيال الجميل هو إضعاف التيار العوني ومحاصرته مسيحياً، وان هذا الاستنتاج عُزز بمعلومات وتحليلات رافقت هذه الجريمة، وتحدثت عن مراجعة جرت داخل قوى الفريق الحاكم، وأظهرت أن تقديم سمير جعجع على رأس الفريق المسيحي في قوى 14 شباط قد أدى إلى مفعول عكسي لمصلحة ميشال عون، ما جعل المعارضة المسيحية هي الأقوى وزناً بين مسيحيي جبل لبنان، وأمام هذه الخلاصة تم التركيز على دور مستقبلي للرئيس أمين الجميل على قاعدة الدفع باتجاه توسيع شق الخلاف بينه وبين عون، أملاً بتغيير المعادلة السائدة في الشارع المسيحي".
ويلفت المصدر إلى "أن مؤيدي عون عاشوا في الأيام الأولى التي تلت الجريمة حالة من الإرباك والخوف خشية التصادمات في الشارع، وخصوصاً أنهم لا ينتمون إلى "جمهور المشاغبين"، بينما في مواجهتهم "مقاتلو" الشارع المنتمون تقليدياً إلى التكوين الميليشياوي في الشارع المسيحي".
كل ما سعى اليه الفريق الحاكم للاستفادة من اغتيال الجميّل وإحداث انقلاب بنيوي في الشارع المسيحي انقلب عليه، فظهرت "الفضيحة" التي حملها الحشد الجماهيري في تشييع الجميل، على حدّ توصيف المصدر الذي يشير الى "عدم استجابة الشارع المسيحي للمعادلة الجديدة، وان أقصى ما استطاعت فعله هو دفعهم إلى التريث وتقويم الخطوات، وان كل التعبئة التي مورست ضد عون من قبل طرف معروف أعطت مفعولاً عكسياً، الأمر الذي جعل عون يستعيد عافيته وديناميكيته على الساحة المسيحية بسرعة كبيرة".
ولأن الجميل كما يقول المصدر محنك سياسياً فإنه أدرك الـ"موقع" الذي أريد أن يكون فيه خصوصاً بعدما لمس التفافاً تضامنياً من جانب قوى المعارضة بُعيد اغتيال نجله.. وإذا كان فريق 14 شباط حاول إنعاش آمال الرئيس الجميل الرئاسية من خلال دفعه إلى الواجهة السياسية فهو أدرك أن "الرئاسة" دونها توافق، طرفه الآخر المعارضة، وبالتالي هو "استثمر" انفتاح المعارضة عليه للحفاظ على هذا الخط، وأن الوزير سليمان فرنجية قد تلقف هذه الفرصة السانحة لاحاطة الجميل من خلال تقديم واجب العزاء له، بحيث أصبحت بكركي وجعجع أمام مسؤولية انقسام الشارع المسيحي، وخاصة أن الصيغة المطروحة اليوم من جانب بكركي لجمع القيادات المسيحية رُفضت من جانب عون والجميل معاً لاستثنائها الوزير فرنجية، وهذا يدلل أن الكرة عادت مجدداً إلى مرمى بكركي وجعجع، وبالتالي استعادت المعارضة زمام المبادرة على الساحة المسيحية".
ويضيف المصدر: "الساحة المسيحية تتوقع نوعاً من الاعتدال في مواقف الرئيس الجميل كون الأخير يرغب في حسم المقعد النيابي الذي شغر بوفاة نجلة لمصلحته، وهذا يتطلب توافقاً بالدرجة الأولى مع عون، ما يعني بعبارة أخرى أن الجميل محكوم في اتخاذ "الموقع الوسطي" في الشارع المسيحي، في حين يستمر جعجع ممثلاً لخط التطرف والمواجهة".
ويقول المصدر نفسه "ان الشارع المسيحي يعيش اليوم في حالة توازنات مقلقة تتوقف على أداء بكركي، فإذا تخلت الأخيرة عن مشروعها السياسي المتبني لطروحات 14 شباط يتجاوز هذا الشارع المحنة التي أعدت له لكي يقع فيها، وإلا لا أحد يستطيع أن يضمن عدم إقدام جعجع على أعمال تؤدي إلى توتير الساحة، خاصة مع تنبؤاته السوداوية التي أكثر من إطلاقها هذه الأيام".
التيار الوطني الحر يوافق على الكثير مما أورده المصدر في قراءته، وتؤكد مصادره أن "الجريمة كانت محاولة لزرع الفتنة بين المسيحيين، وبالتالي دفع الجنرال عون تحت "ضغط الجريمة" إلى تغيير موقفه السياسي وتحالفاته القائمة مع عدد من القوى السياسية في البلاد"، مؤكداً "أن الجريمة خسارة لكل اللبنانيين وليس لفئة دون أخرى".
وبدا واضحاً لمتتبعي تحركات التيار العوني انه مارس أقصى درجات الانضباطية في صفوفه بعدما شعر أن هناك محاولة "سلطوية" جدية لبث مناخ من السموم والاتهامات بغية زيادة التوتير في الساحة الداخلية، لا سيما الساحة المسيحية لأنه يريد فعلاً جر البلاد نحو الفتنة، أو الحرب الأهلية".
وبخلاف القائلين إن الاستغلال السياسي للجريمة فعل فعله على الساحة المسيحية، يقول المصدر "إن جمهورنا كان على وعي تام لما حصل، لأنه يدرك أننا لا نستذوق استغلال الدماء، ولا المتاجرة بالدماء، وان رد الفعل الشعبي كان سلبياً على هذا النوع من الاستغلال"، مؤكداً "أن الاستفادة السياسية إن وجدت ليست لمصلحة حزب الكتائب، بل لمصلحة من يقود هذه الأكثرية الوهمية".
ولا يطمئن "التيار" إلى ما يروجه البعض من أن الأخير بدأ ينزف جماهيرياً لحساب الكتائب في الساحة المسيحية، وذلك من خلال الملابسات التي رافقت اغتيال الوزير الجميل، ويقول المصدر في هذا المجال "ان هذه التحليلات تدل على أنه بالفعل كانت لدى هؤلاء نية الإساءة للتيار لإضعافه وإرباكه وخلق فتنة من حوله".
الكتائب
أما على "جبهة" حزب الكتائب فهناك استياء عارم لما رافق تشييع الوزير الجميل، وقد عبّر عنه بشكل صريح مصدر قيادي في الحزب بالقول "حصل استثمار سياسي للجريمة من قبل بعض قوى 14 شباط .. ولأول مرة نشعر في مأتم وطني بأن هناك فرزاً سياسياً على مستوى المآتم، تصوّر قبل أن يدفن جثمان الشهيد كان هناك منبر سياسي منصوباً في ساحة الشهداء!".
هذا "الاستثمار" يضعه القيادي "في إطار العمل على تفويت الفرصة على القوى المعارضة التي باتت قاب قوسين أو أدنى من التحرك في الشارع، ومناسبة لقلب الأدوار، بعدما شعرت هذه الأكثرية الحاكمة بتراجع دورها على الساحة الداخلية لمصلحة قوى المعارضة".
والواضح حسب فهم القيادي للساحة المسيحية، أن "الانقسامات التي تشهدها هذه الساحة لم تكن بتاتاً وليدة يوم الاغتيال، وربما هذا الحدث فضح هذا الانقسام بشكل كبير وسافر"، لافتاً إلى "أن الصدع الموجود على المستويات السياسية سيتعمق أكثر فأكثر في القابل من الأيام، وأنه بات من الصعب جمعها في سياق سياسي موحد، نظراً إلى وجود فرقاء لا تريد أن تتنازل عن تحالفاتها السياسية"، غامزاً من قناة "القوات" التي تحاول أن تستقطب الجمهور العوني تحت مسميات ومناسبات مختلفة.
والسؤال الذي يقض مضاجع "الكتائب" راهناً ـ حسب قول القيادي ـ هو أين هي مصلحة المسيحيين من كل التركيبة السياسية القائمة في البلاد؟ هل مصلحتنا أن تبقى الحالة المسيحية مشتته كما هي اليوم؟"، لافتاً إلى أن "الازمة المسيحية مرتبطة بشكل أو بآخر بالوضع السياسي العام الذي تشهده البلاد بين معارضة ومولاة، وان الحلول لم تعد في أيدي اللبنانيين، أكانوا موالاة أو معارضة، بل صرنا نتوقع أدواراً لدول إقليمية عربية مؤثرة تمنع لبنان من الذهاب إلى الهاوية دونما ان يكون هناك دور لأي عامل أجنبي، لان التجربة أثبتت مدى الشرخ الذي أوقعته هذه الجهات باللبنانيين".
حسين عواد
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018