ارشيف من : 2005-2008
الشؤون الاجتماعية تحوّلت الى مافيا والوزيرة همّها السياسة قبل المواطنين:وزارة نائلة معوض ومستشاروها
حتى المافيا تحتاج إلى تخطيط وتنظيم، وهما الصفتان اللتان لا يمكن لدكان صغير أن ينتج من دونهما، فما بالك بوزارة هي بحجم ودور وزارة الشؤون الاجتماعية؟ الوزيرة نائلة معوض التي تنتمي إلى الفريق الحاكم عنوة عن الشرعية والدستور، حوّلت الوزارة المفترض أنها الوجه الأبيض للحكومة أمام الرأي العام، إلى ملف أسود يبدأ بمخالفة القوانين بشكل فاضح ولا ينتهي عند حدود تسخير عمل الوزارة لأغراض انتخابية وشخصية صرفة.
ـ علامة استفهام كبيرة تطرح حول أسباب عدم إقالة الوزيرة ومحاسبتها، لا بل يعهد إليها بوزارة الصحة بالوكالة، ما يعزز الخوف على هذه الوزارة ذات الشأن العام التي تُعنى بقضايا اجتماعية أيضاً ترتبط بالمواطنين.
"الانتقاد" تراجع ملف هذه الوزارة في عهد الأكثرية الحاكمة
يحتقن وجه المواطن "حسن صبرا" عندما تطلب منه تقويم عمل وزارة الشؤون الاجتماعية بصفته أحد "رعايا" هذه الوزارة بموجب بطاقة معوَّق نجح في الحصول عليها عام ألفين واثنين بعد جهد جاهد.
حسن المُقعد في كرسيّه المتحرك منذ ثلاثين عاماً يرفض التعليق على سؤال مفترض أنه بديهي: "هل يكفيك ما تحصل عليه من وزارة الشؤون الاجتماعية للتخفيف من إعاقتك"؟ فالإجابة بحسب تعبيره ستحمل كلمات لا ذنب لأحد بسماعها ما دامت الوزيرة نائلة معوض لا تتأثر بأي كلمات.
يقول حسن: "منذ أن تسلمت الوزيرة معوض وزارة الشؤون حتى اليوم، فإن نجاحاً واحداً فقط تحقق، إذ جعلتنا نترحم على أيام القلّة التي كنا نعيشها في عهد الوزراء السابقين الذين تعاقبوا على الوزارة".. ويتابع: "الوزارة اليوم غير موجودة نهائياً، وهذا ليس كلاماً في السياسة، أتحدى أياً كان أن يعلم من يسيّر عمل الشؤون الاجتماعية اليوم قبل أن يسألنا عن حقوقنا تجاه الوزارة".
قد يكون الأصعب على "حسن" ونظرائه من المعوقين أن تكون هناك وزارة مخصصة لرعايتهم تتسلم سنوياً جزءاً من الموازنة العامة، في حين يقول الواقع عكس ذلك تماماً، فالوزارة غائبة كلياً عن ملفات الرعاية الاجتماعية منذ تسلمت الوزيرة معوض حقيبة الشؤون الاجتماعية لتعلن بثقة العبقري أنها تخطط لتحويل وزارة الشؤون إلى وزارة التنمية لتمنع ذوي الاحتياجات من ممارسة سلوك "الشحادة" والاعتماد على أنفسهم! فكيف قامت بذلك؟
الخطوة الأولى: تطليق الحضور
"وكالة من غير بواب"، إنها العبارة التي تصف بدقة الطابق السابع في وزارة الشؤون الاجتماعية حيث مكتب الوزيرة. تسأل لدى دخولك: "الوزيرة موجودة"؟ فيأتيك الجواب سؤالاً آخر: "بماذا يمكن أن نساعدكم"؟ تجيب: "نحن صحافيون، نريد الاطلاع على عمل الوزارة ومشاريعها". وبعد طول سيرة تفهم الخلاصة: الوزيرة نائلة معوض لا تداوم أصلاً في الوزارة، ومتابعاتها للشؤون الاجتماعية تجري في منزلها الكائن في الحازمية بواسطة بريد الوزارة!! المقربون منها يعزون عدم الحضور لتسيير هذا المرفق العام إلى الأوضاع الأمنية، "كما تعلمون، فإن الوزيرة معوض تنتمي إلى تيار سياسي مهدد بالاغتيالات"، هكذا يقول هؤلاء المقربون.. لكن المطلعين والمواكبين لعمل معوّض يؤكدون أن السبب الرئيسي لعدم مداومتها في مكتبها بالوزارة يعود إلى انشغالها الدائم بالمتابعات السياسية، فهي متابعة مجتهدة لقضية رئاسة الجمهورية وتجاذباتها، ومولعة باستقبال السفراء الغربيين والاتصال بهم من أجل عرض "أفكارها" أو الاستماع إلى "آرائهم" بشأن السياسة الداخلية وسبل نشر "الديمقراطية" في لبنان ما بعد "ثورة الأرز".
أحد النواب الذين زاروا معوض في منزلها لمتابعة مسألة تتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة في البقاع، روى لـ"الانتقاد" كيف تحولت الزيارة إلى لقاء سياسي يثير العجب، وقد كان ذلك قبيل العدوان الإسرائيلي الأخير ببضعة أسابيع:
سألته: "بعدك عم تطلع لفوق (أي سوريا)"؟
أجابها: "نعم، فأنا لدي صداقات في سوريا لا أنكرها، ولا أجد مبرراً للتخلي عنها".
دفعتها الحماسة لسؤاله: "مين عم تشوف فوق"؟
لم يجد صديقنا النائب فرصة مناسبة أكثر من هذه الفرصة لتسجيل موقف من خلال تذكير معوض بصداقاتها (...) السابقة مع بعض الأمنيين السوريين، فأجاب: "يعني.. عم شوف ناس كثير، من بينهم (...)".
مجرد سماعها الاسم الأخير (...) غيرت اتجاهات صوتها لتقول: "يا عمي شو بدنا بهالحكي.. السوريون ناس خواجات.. أصلاً التاريخ والجغرافيا يحتمان أن يبقى لبنان وسوريا توأمين لا يمكن فصلهما"!!
انتهى الحديث، لكن آثار الصدمة ما زالت حاضرة في نبرة هذا النائب كلما روى للمقربين منه هذه الحادثة.
هذا الوضع المتمثل في تقديم الاهتمام السياسي على الاجتماعي لوزيرة الشؤون الاجتماعية أثار حفيظة القيمين على الجمعيات الأهلية ودور الأيتام والرعاية في لبنان. أحد هؤلاء وأبرزهم، السيد محمد بركات المدير العام لمؤسسات الرعاية الاجتماعية في لبنان (دار الأيتام) والأمين العام لمؤتمر الخير العربي، يقول في معرض تعليقه على أداء وزارة الشؤون الحالي: "الوزارة اليوم في أسوأ حالها منذ تأسيسها.. الأيتام وذوو الاحتياجات الخاصة متروكون بلا أي رعاية من قبل الدولة. والأسوأ أنك لا تجد من تطرق بابه في الوزارة.. فالوزيرة غائبة باستمرار، لا وجود لمدير عام أصيل، ومستشارو الوزيرة الذين يتصدون لتسيير المرفق تنقصهم الكثير من الخبرة والأهلية لمتابعة شؤون الوزارة. تسألهم عن حقوق المحتاجين فيجيبون بأن النظرة العامة للوزارة قد تغيرت، وأن استراتيجيات جديدة بدأ العمل بها لتحويل الرعاية إلى تنمية. كل هذه شعارات أوصلت وزارة الشؤون الاجتماعية إلى الحضيض".
الخطوة الثانية: تعيين الأزلام
الوزيرة غائبة إذاً، ومدير عام الوزارة الأصيل (السيدة نعمت كنعان) قد أحيل إلى التقاعد، فكان أن تسلم مهام مدير عام وزارة الشؤون الاجتماعية بالإنابة محمد العلايلي، وهو منصب لا يسمح للعلايلي حسب القانون، بالقيام بإجراءات لها صفة التقريرية، التي تبقى لحين تعيين مدير عام أصيل حكراً على الوزير. ومؤخراً كُلفت مديرة الخدمات الاجتماعية في الوزارة رندة بو خليل بديلاً عن العلايلي كمدير عام بالإنابة، وهنا ارتكبت الوزيرة المخالفة الأولى للقانون.
فبحسب تعميم رئاسة مجلس الوزراء رقم 31/2005 يمنع إسناد مهام تنفيذية إلى المستشارين في الوزارات بناءً على أحكام القانون وتوصيات هيئة التفتيش المركزي، ومنها القرار رقم 396/2005، وخصوصاً أن أعمال الوزراء كما مستشاروهم تخرج عن صلاحيات التفتيش المركزي. (مستند رقم 1)
مستشارون
لكن كل ذلك لم يمنع الوزيرة معوض من تعيين عدد ليس بقليل من المقربين منها في منصب مستشار، لتصبح قرارات هؤلاء المستشارين في ظل غياب الوزيرة آمرة ناهية، والويل والثبور لمن لا يلتزم من الموظفين. وفي ما يلي أحد الأدلة:
بموجب عقد اتفاق بين الوزيرة معوض وإلهام الجر المدرّسة المسجلة في ملاك وزارة التربية (حصلت على إجازة من ملاك التربية فترة محدودة)، عُينت الأخيرة في منصب خبيرة اجتماعية في مشروع محو الأمية مقابل راتب شهري قدره مليونان ومئتان وخمسون ألف ليرة (2.250.000 ل.ل)، تدفع من موازنة مشروع محو الأمية.. بل ويسمح لها بالعمل ساعات إضافية تصل قيمتها شهرياً حتى المليون وسبعمئة ألف ليرة، ما يعني بلوغ راتبها نحو 4 ملايين ليرة.(مستند رقم 2)
بتاريخ 11/4/2006 وقعت الوزيرة معوض من منزلها قراراً بإلغاء المركز الصحي النموذجي المنبثق عن وزارة الشؤون الاجتماعية بناءً على اقتراح المدير العام بالإنابة. (مستند رقم 3)
توقيع هذا القرار سبقه اجتماع للجنة المشرفة على المركز الصحي المذكور، ووفق محضر الاجتماع تبين أن الخبيرة الاجتماعية في برنامج محو الأمية قد أصبحت بقدرة قادر مستشارة للوزيرة معوض، وقد طلبت من اللجنة نقل معدات وتجهيزات المركز إلى بلدتها يحشوش في قضاء كسروان. (مستند رقم 4)
هذه الحادثة هي واقعة موثقة من بين عشرات الوقائع الأخرى التي تشهد على المخالفة للقانون سواء من قبل الوزيرة معوض أو من قبل مستشاريها الذين لا تعد قصصهم ولا تُحصى، بدءاً من ذاك الذي يتقاضى ليرة لبنانية واحدة شهرياً في الوقت الذي يشهد سجله الوظيفي عن سلوك غير حميد في عقد الصفقات المشبوهة، لا سيما في مجال الدواء، وليس انتهاءً بذاك الذي جاء من مؤسسات رينيه معوض الخيرية ليصبح رئيساً للجنة الاستراتيجيات السكانية في الوزارة وركناً مهماً في جميع مشاريع الوزارة، وأولها بيت المحترف اللبناني الذي استبدلت لجنته السابقة بلجنة أخرى تربط أعضاءها بالوزيرة معوض صلات قربى ومحسوبية.
وإذا كان كل ما ذُكر لا يعدو كونه غيضا من فيض ممارسات الوزيرة معوض في وزارة الشؤون الاجتماعية، فإن مأساة تسييس خدمات الوزارة وإلحاقها ببرامج انتخابية صرفة سواء لمصلحة معوض نفسها أو لمصلحة أطراف في الفريق السياسي الذي تنتمي إليه، تكشف المزيد من عقلية هذه الوزيرة. ولعل ما قامت به معوض في مجال توزيع المساعدات التي تسلمتها تحت عنوان إغاثة منكوبي عدوان تموز هو خير دليل.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018