ارشيف من : 2005-2008
الفتنة آخر حصون الفريق الحاكم وساعة النزول إلى الشارع تدق
ثمة مفارقة تحكم سلوك كل من الفريق الحاكم والمعارضة. فمن ينظر في اصرار هذا الفريق على المضي في سياسته غير العابئة بالأصول الدستورية والسياسية والمصالح الوطنية الفعلية، وما يظهره من عنادٍ في المواقف وعدم الاستعداد لتقديم أي تنازل لمصلحة أي تسوية سياسية وطنية تكفل اخراج البلد والعباد من المأزق العام الذي بات يطبق على كل شيء… فمن ينظر في هذا كله يظن للوهلة الأولى، أن هذا الفريق هو من القوة بمكان، بحيث يستطيع أن يطمئن إلى وضعه، والى أن لا شيء سيمكنه، أو سيفرض عليه التنازل عمّا لا يريد التنازل عنه.
في المقابل، تبدو المعارضة وكأنها مترددة في النزول إلى الشارع، هذا التردد الذي قد يفسره البعض بالخوف، وعدم الثقة بالذات، أكثر من أنه تعبير عن الحرص على ابقاء أبواب الحلول عبر الحوار مفتوحة حتى اللحظة الأخيرة، عسى أن يعود الفريق الحاكم إلى رشده، والى انتمائه الوطني، بما يوفر على الجميع الحلول الأسهل للبلاد والعباد.
هل هذه الصورة المفارقة صحيحة، أم أنها معكوسة، ولا تعبر عن حقيقة وواقع كل من الفريق الحاكم والمعارضة معاً؟
الصورة طبعاً معكوسة، واليكم بيان ذلك:
أولاً: صحيح أن الدعم الاميركي والأوروبي ما زال يهطل على الفريق الحاكم، والذي كان آخره ما أعلنه بوش، وما صدر عن الاتحاد الأوروبي من تأييد لهذا الفريق، إلا أن حال بوش، وحال مشروعه في المنطقة إلى انزواء وفشل، ما يعني أمرين متلازمين: الأول، ان هذا الفريق الذي ربط مصيره بالمشروع الاميركي في المنطقة سيخضع موقعه ودوره فيه لنفس القوانين ـ قوانين الحياة والبقاء، أو قوانين إعادة التموضع والتشكل، التي سيخضع لها هذا المشروع.
والثاني، ولعل هذا أكثر ما يخشاه هذا الفريق، هو أن واشنطن باتت محكومة بالتعامل وفق مقاربات جديدة في المنطقة، لتضمن لنفسها الخروج من مآزقها المتنوعة في العراق أولاً، وفي أفغانستان وباقي المنطقة ثانياً، هذه المقاربات والقبول بالتسويات، ولحظة الحقيقة بالنسبة لانطلاق قطار هذه المقاربات بات على الأبواب.
ثانياً: ان رهان الفريق الحاكم على العدوان الاسرائيلي لاحداث تغيير في المعادلة والتوازنات الداخلية باء بالفشل الذريع، وارتد عليه خسراناً ووبالاً، فلا المقاومة انتهت، ولا حزب الله ضعف، ولا تحالفاته تضعضعت، ولا شعبيته تراجعت، بل على العكس من ذلك تماماً، يمكن القول، ان العدوان، والمواقف الفاضحة التي اتخذها الفريق الحاكم لمصلحة هذا العدوان، شكلت صدمة وعي بالنسبة لكثيرين، ما أدى إلى أن يخسر هذا الفريق من رصيده الخاص، ما ساهم في تعزيز قوة المعارضة بدلاً من اضعافها.
ثالثاً: ان ادراك الفريق الحاكم لواقعه السياسي والشعبي دفعه إلى اعتماد استراتيجية مركبة لخلط الأوراق الداخلية، أبرز عناصرها:
أ ـ اغراق الرئيس بري بمودة مفتعلة ومنافقة ومراوغة، لابعاده من جهة عن حزب الله، ولأسره بمناخات ضاغطة للسير في ما يريده الفريق الحاكم من تمرير لقرارات داخل مجلس النواب، من جهة أخرى، اضافة الى اعتماد تكتيك الأبواب المفتوحة، والإكثار من طرح التسويات، لإبقاء الرئيس بري في موقع بعيدٍ عن خيار الشارع، إلا أن هذه السياسة المنافقة سرعان ما انفضحت عندما أظهر الفريق الحاكم نكثاً لوعود، واطلاق تهديدات بالاقصاء، ورفض تقديم أية حلول جدية.
ب ـ الدخول على الخط المسيحي ـ المسيحي، في محاولة واضحة لإنجاز أحد أمرين: إضعاف الجنرال عون وتياره لمصلحة جعجع وتنظيم القوات، وإما حمل الجنرال على الخروج من المعارضة، والتزام جانب الحياد على الأقل، وهنا عناوين الحملة أكثر من أن تعد: تارة اتهام عون بأنه بات محسوباً على سوريا ويغطي أعمالها، وتارة أنه يغطي حزب الله الذي يعمل لإقامة جمهورية اسلامية، وكان آخرها محاولة استثمار رخيصة لدم الوزير المغدور بيار الجميل، لإرباك وضع عون، ووضعه في حالة انشغال مستمرة، ووضع الواقع المسيحي برمته تحت مطرقة التخويف من فتنة داخلية، لحمل الشارع المسيحي إما الى لزوم منازله، وإما للانفضاض من خلف الجنرال.
إلا أن هذه السياسة غير المحسوبة ارتدت عليهم أيضاً، فلا عون تراجع، بل أظهر صموداً وثباتاً بحزم عليهما، كما تمكن من تجاوز الإرباك الأول، ليأخذ سريعاً المبادرة مهاجماً خصومه من المسيحيين والحكومة ايضاً، في الوقت الذي بدت شعبيته متماسكة، وفي الوقت الذي بدت فيه القوات مفضوحة في الشارع المسيحي.
ج ـ العمل على اغراق البلاد والعباد بتهويلات ومخاوف تبدأ ولا تنتهي تارة من حرب أهلية، وتارة أخرى من فتنة طائفية أو مذهبية، والعدة لذلك جاهزة: كلام عن توزيع سلاح بغير حساب، كلام عن تدريبات يقيمها هذا التنظيم وذاك، كلام عن الاستعداد للمواجهة المسلحة، كلام يصدر عن حكام وملوك عرب (الملك الأردني عبد الله تحديداً) يحذر من حروب أهلية ثلاث: في العراق، وفلسطين ولبنان.
ان نظرة فاحصة عن الخلفيات الكامنة وراء هذه الاستراتيجية، تكشف عن التالي:
ـ ان الفريق الحاكم في هلع كبير من وضعه المتراجع، وافتقاده للقدرة على الحشد الشعبي، خصوصاً بعد الفضيحة الكبيرة التي مني بها خلال تشييع المغدور الوزير بيار الجميل، وفي هلع أكيد من نزول المعارضة الى الشارع، ولذا، فهو يبذل كل ما في وسعه لمنع المعارضة من ممارسة هذا الحق الديموقراطي في الحد الأقصى، وفي الحد الأدنى افقاده زخمه الشعبي، وقدرته على انتاج النتائج المطلوبة سياسياً، والتي أبرزها تشكيل حكومة وحدة وطنية تكفل المشاركة الحقيقية في السلطة.
ـ ان الفريق الحاكم، لم يعد يملك في جعبته أية أوراقٍ مستورة يمكن أن يلجأ اليها، وتشكل بالنسبة اليه خشبة الخلاص، والدليل على ذلك ما تقدم، بالاضافة الى لعبه بآخر أوراقه، بل قل خطوطه الدفاعية الخلفية، ألا وهي ورقة الفتنة المذهبية السنية ـ الشيعية، وهذا ما بدا واضحاً في مجمل المواقف والسياسات والحملات الاعلامية التي يقوم بها المثلث الشيطاني للفريق الحاكم، حيث يجري تارة وضع المحكمة الدولية في وجه الشيعة عموماً وحزب الله تحديداً، وتارة أخرى تصوير وكأن المستهدف موقع السنة في النظام اللبناني، والتهويل باتجاهين سني ومسيحي، من أن ما يقوم به حزب الله هو محاولة الهيمنة على لبنان لتحويله الى دولة شيعية تكمل ما تحدث عنه الملك الأردني، من حلقات الهلال الشيعي الذي يبدأ بإيران وينتهي بلبنان.
في مقابل هذا كله، تظهر المعارضة المزيد من التماسك، والمزيد من الالتفاف الشعبي حولها، وتبدو في موقع الحريص دستورياً وسلمياً وديموقراطياً في نزاعها مع الفريق الحاكم، الذي هو اليوم مكشوف دستورياً، ويتسلح بمنطق الفتنة، والخطاب الحزبي، ويظهر استعداداً انتحارياً للذهاب بالبلاد والعباد ليس الى حافة الهاوية، وانما الى الهاوية نفسها. فالفريق الحاكم يلعب، في الحقيقة، عند الخطوط الحمراء للمعارضة التي سبق وأعلنت ان الفتنة المذهبية والطائفية، وأن الحرب الأهلية، هي خطوط حمراء لن تتجاوزها مهما كلف الثمن.
من هنا، يبدو الفريق الحاكم بلعبه، او بتهويله بالاستعداد للعب بهذه الخطوط الحمراء، وكأنه يلعب بأوراق ما يعتبره ضعفاً عند المعارضة، وبالتالي، فهو يريد ايصال الأمور الى حد تصبح فيه المقايضة المطروحة: اذا اردتم عدم الوصول الى الفتنة والحرب الأهلية، أعطوني كل ما أريد، أو سلموا لي بالوضع القائم، وبالتالي يطرح هذا الفريق خيار كل شيء أو لا شيء، عسى أن يحقق شيئاً، الا أن هذا الفريق بلعبته الخطرة هذه لن يهدّ الهيكل الا على رأسه، لأن الذاكرة اللبنانية ذاكرة الحرب الأهلية، ما زالت حية، ولأن وعي اللبنانيين أعمق وأدق، من جنون العظمة، والنزوع الانتحاري، والعقد الثأرية المستحكمة في نفوس أركان الفريق الحاكم، وغداً سيقول الشعب اللبناني كلمته الحاسمة، ليتلقف بمحبته لوطنه ولكرامته ولعزته ولمستقبل أبنائه، مستقبل الاستقلال والسيادة والحرية الفعلية، ليتلقف بهذا كله حقدهم الأسود، ورهاناتهم الحمقاء، التي لم توقعهم حتى الآن إلا في شر أعمالهم.
مصطفى الحاج علي
الانتقاد/ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018