ارشيف من : 2005-2008

مبادرة أولمرت ووقف إطلاق النار في قطاع غزة:محاولة اسرائيلية للالتفاف على سلبية المتغيرات

مبادرة أولمرت ووقف إطلاق النار في قطاع غزة:محاولة اسرائيلية للالتفاف على سلبية المتغيرات

يحيى دبوق‏

من الواضح ان هناك صراعا او أقله خلافا بالرأي، بين المؤسسة العسكرية والمؤسسة السياسية في "إسرائيل"، على خلفية التعاطي مع قطاع غزة واتفاق وقف اطلاق النار المعلن فيه. ذلك ان العسكريين يجدون في القطاع ساحة يظنون أنهم من خلالها قادرون على اعادة قدرة الردع المتآكلة جراء العدوان على لبنان، ويمنعون بذلك عملية تحويل القطاع وفصائله عن محاكاة حزب الله، خاصة أنهم يرون انسداد أفق العملية السياسية مع الفلسطينيين وحتمية المواجهة الكبرى معهم، وبالتالي يجب أخذ المبادرة ومباشرة الحرب فورا، ما دامت الفصائل تعمل على محاكاة نهج وأسلوب حزب الله وتعد العدة لذلك.‏

المؤسسة السياسية، وتحديدا إيهود أولمرت، لا تقل الدافعية لديها عن المؤسسة العسكرية لإعادة قدرة الردع الاسرائيلية المهشمة الى وضعها القديم، من خلال بوابة غزة تحديدا، الا ان لدى أولمرت حسابات أخرى ترتبط بحركة الصراع مع الفلسطينيين، والخشية من تأثير المتغيرات الدولية على وضع "إسرائيل" في هذا الصراع، الأمر الذي دفعه الى اطلاق ما سُمي بـ"المبادرة"، لإطلاق عملية السلام مع الفلسطينيين، متناسيا جملة من الثوابت التي أطلقها سابقا، سواء بعد انتخابه رئيسا للحكومة او بعد أسر الجندي الاسرائيلي في قطاع غزة.‏

السؤال الذي يطرح في هذا السياق يتعلق بموافقة أولمرت على وقف اطلاق النار، على ضوء خطابه الاخير و"المبادرة" التي أطلقها.. فأي من السياقات التي يريد تمريرها او التأسيس لها، سواء في ما يتعلق بساحة المواجهة مع الفلسطينيين او بالساحة الداخلية الاسرائيلية وتجاذباتها بعد الإخفاق في العدوان على لبنان، وبعد فقدانه أجندة سياسية يطرحها على الجمهور الاسرائيلي طوال الفترة السابقة.‏

يريد إيهود أولمرت ان يثبت ان لديه خطا سياسيا، وأن لديه جدول أعمال خاصا به، في أعقاب فترة وُصف فيها أن لديه فراغا سياسيا. كما انه يريد أن يظهر ايضا انه هو من بادر الى وضع عملية التسوية مع الفلسطينيين على رأس سلم الأولويات، وكان المسبب في إطلاقها من جديد، وبالتالي على الطرف الآخر ان يُقدم على الاستجابة لطروحاته، ويقوم بما يلزم لإطلاق فعلي للعملية السياسية، وأولها التزاماته المنصوص عليها في خريطة الطريق.‏

صوّب أولمرت في خطابه الأخير على الداخل "الإسرائيلي" من جهة، وعلى الخارج الغربي من جهة ثانية:‏

لجهة الداخل الإسرائيلي هدف أولمرت الى تهدئة الضغوط الداخلية الممارسة عليه من قبل وزراء في حزبه وفي ائتلافه، من أجل بلورة مبادرة سياسية تكسر الجمود السياسي القائم مع الفلسطينيين. لكنه يعلم ان قدرته وحضوره في الساحة السياسية الإسرائيلية، وخاصة بعد الفشل في لبنان، لا يتيح له حتى لو أراد، ان يفرض تسوية ما مع الفلسطينيين، وإن كان بمضمون مقلص جدا لا يضمن أقل الحقوق الفلسطينية البديهية.‏

ضعف أولمرت في الساحة الإسرائيلية دفعه الى اطلاق سلسلة من الوعود الكلامية التي "س" ينفذها اذا ما أقدم الفلسطينيون على جملة واسعة من الاشتراطات التي تلغي قوتهم قبل مطالبته بتنفيذ وعوده.. من بينها تنفيذ ما هو مناط بهم بموجب خارطة الطريق الاميركية، بحسب الفهم الاسرائيلي لها، وبالتالي انهاء وضرب البنية التحتية لما يسمونه بالإرهاب، أي إنهاء كل مقومات القوة الموجودة في الطرف الفلسطيني.‏

وتجنبا للسجال الداخلي غير المطلوب حاليا مع القوى اليمينية في الحكومة، اضافة الى عدد من أعضاء الحزب الذي يترأسه "كاديما"، دفع أولمرت الى الغموض في كل ما يتعلق بالحدود والقدس، مع التشديد على إنهاء حق العودة.‏

لجهة الخارج الغربي أراد أولمرت ان يصد من خلال "المبادرة" المطروحة في خطابه، أي مبادرة أوروبية للتدخل في الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني إثر الجمود السياسي السائد، وإثر الإخفاق الاميركي في العراق وما تبعه من تداعيات على الساحة الداخلية الاميركية وفوز الديمقراطيين بمجلسي الشيوخ والنواب، الأمر الذي رفع من الأصوات المنادية بحل المسألة الفلسطينية والمبادرة الى اطلاق العملية السياسية في المنطقة. أي انه أراد ان يسحب المبادرة من الأوروبيين بل وحتى من الأميركيين. فأي مبادرة من قبلهم ستؤدي الى "تنازلات" لا يقوى حتى لو أراد، على تمريرها، بغض النظر عن حجمها ومداها.‏

على أي حال، إن دعوة أولمرت الى التفاوض برغم خلوها من مضمون فعلي، لا تعني بالنتيجة إنهاءً لخطة التجميع في الضفة الغربية التي طالما نادى بها لغاية سقوطها جراء الفشل في لبنان، فالمنطق أحادي الجانب الذي روّج له أولمرت خلال الانتخابات وفي أعقابها، تحوّل الى خطة تجميع بالاتفاق وأفقدها ماهيتها ومضمونها وأسبابها الموجبة، وهو تراجع كبير جدا أُرغم عليه أولمرت نتيجة تضافر جملة من الضغوط.‏

تبقى الإشارة الى ان خطاب أولمرت وموافقته على وقف إطلاق النار مع الفلسطينيين وتحديدا في قطاع غزة، اضافة الى استعداده لمبادلة الجندي الاسير جلعاد شاليط بما يسمونهم اسرائيليا "سجناء مع دماء على اليدين"، يشير الى الإخفاق الكبير الذي مُنيت به الاستخبارات الاسرائيلية في معرفة مكانه، ما أجبر أولمرت على إسقاط جملة من الثوابت التي شدد عليها سنين، الأمر الذي سيشكل سابقة قد يؤسس عليها لاحقا.‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01