ارشيف من : 2005-2008
ودّعت الخبز والأحفاد وأوصت بتوزيع الحلوى :الحاجة فاطمة النجار جدة الاستشهاديات الفلسطينيات
غزة ـ خضرة حمدان
لا يبعد المسجد العزيز على قلبها أكثر من سير دقيقتين، وهناك أتمت حفظ عشرين جزءاً من القرآن الكريم وباشرت بما بعد، وعندما عادت من مسيرة النساء الشهيرة في بيت حانون كانت في أشد حالات الحزن لأن الله لم يصطفيها بين الشهداء...
الجدة الفلسطينية الاستشهادية فاطمة جمعة/ النجار (64 عاماً) أكدت من جديد أن المرأة الفلسطينية لديها المزيد من ثروات الإبداع بفنون الحياة والدفاع عن ثرى الوطن والاستشهاد هبة من الله وفداء للشهداء والجرحى والمعتقلين.
أو كما قالت الجدة: " فداء لله والوطن ومحمد الضيف ـ قائد كتائب عز الدين القسام ـ ورئيس الوزراء اسماعيل هنية والمعتقلين الفلسطينيين في سجون الاحتلال".
عندما بدأت الصحافة الفلسطينية المحلية والعربية والدولية بالبحث عن أسباب إقدام سيدة مسنة على تفجير نفسها بين جنود الاحتلال الصهيوني، كان السبب واضحاً، فقد تبيّن من الارشيف المصور للمسيرة النسائية في بيت حانون انها كانت في مقدمة المدافعات عن رجال المقاومة في مسجد النصر المحاصر بالبلدة، وسقطت بجانبها اولى الشهيدات وهي سيدة تبلغ من العمر قرابة 60 عاماً فلم تصدق أن الاحتلال سفك دماء النساء على قارعة الطرق وهنّ في مسيرة سلمية دفاعاً عن مسجد يهدّم ورجال يبادون تحت آلة القتل العسكرية الصهيونية.
يومها خرجت من مكان إقامتها الذي أفنت به سنيّ عمرها التي تزيد عن نصف قرن، من جباليا البلد شمال قطاع غزة ليست بعيدة عن بيت حانون التي اجتاحها الاحتلال للمرة العاشرة، كل يوم كانت تزداد حباً للمقاومة وتفرح كالأطفال إن سمعت نبأ إصابة جندي محتل أو تفجير دبابة أو تقديم استشهادي نفسه فداء لله والوطن، ويوم فازت حركة حماس بنسبة الاغلبية في الانتخابات التشريعية الفلسطينية للعام 2006 كانت من أشد نساء الوطن سروراً، وقامت بتوزيع الحلوى وجمعت الأحفاد والحفيدات الـ 28 وبدأت بالرقص امامهم وحثّتهم على الفرح، وهو ذاته ما قامت به عندما اندحر الجيش الصهيوني أمام مقاومة حزب الله بالجنوب اللبناني واعلن فشله وباتت خسائره البشرية أكثر مما يستوعب فقالت: "ليت رجال المقاومة الفلسطينية أسوداً كما رجال حزب الله".
في الطريق إلى منزلها قال سائق السيارة: "يومها كنت أقرأ القرآن وأدعو أن يخلّص الله بيت حانون من بطش آلة الاحتلال العسكرية، وعندما سمعت بخبر الاستشهادية الجدة فاطمة النجار بكيت بشدة وتعجبت من سيدة تقدم نفسها بجرأة وإقدام".
الجدة الطفلة التي أجادت قراءة القرآن حسب زوجة ابنها الأصغر أزهار كانت تجيد جمع الأحباب، ولم تفرق يوماً بين أحد من أبنائها الذكور السبعة أو ابنتيها المتزوجتين، وتقرّبت جداً في الآونة الأخيرة قبل تنفيذ عمليتها الاستشهادية من ابنتها الأرملة وأم الشهيد فتحية غبن التي استشهد ابنها الأكبر عادل (18 عاماً) قبل ثلاث سنوات ونصف فقط عندما كان يحمل في طريقه شهادة الثانوية العامة، ومنذ ذاك الحين تقرّبتا إلى بعضهما وبدأتا بالانتماء إلى كتائب عز الدين القسام، وكانتا معاً بمقدمة النساء المدافعات عن 70 رجلاً من شتى أطياف المقاومة الفلسطينية الذين حوصروا في مسجد النصر.
كما كانت السيدة النجار قد عانت من الاحتلال الأمرّين، فقد نسف منزلها في الانتفاضة الفلسطينية الكبرى عام 1987 كما أقدم على اعتقال ثلاثة من أبنائها بعد إصابتهم بعياراته النارية، وهم الأكبر محمد، سمير وصابر، وفي النهاية اعتقل ابنها الرابع عماد، وأصدر بحقه حكماً بالسجن المؤبد، ولكنه تحرر في العام 1994 مع الاسرى الفلسطينيين الذين تم الإفراج عنهم ضمن صفقة بعد مفاوضات اوسلو عام 1993.
وعن ظروف استشهادها قالت زوجة ابنها الثاني صابر: "عرفنا أن الحاجة فاطمة سيدة قسامية ومقربة جداً من حركة حماس، ولكننا لم نصدق يوماً انها ستقدم على تفجير نفسها بين جنود الاحتلال، وأشد ما دفعها لذلك كان جرائم الاحتلال المتتالية في بيت حانون، والجريمة التي قتل بها الاحتلال قرابة 16 مواطناً بين طفل وسيدة من عائلة العثامنة فأقدمت يومها على تفجير نفسها".
وعن ذاك اليوم تتابع السيدة تهاني ضميدة كنتها: "يومها لم اعرف أن هناك شيئاً يدور في ذهن حماتي فقد صنعت لنا الخبز وقمت انا وهي بخبزه كما اعتدنا، وطلبت مني تحضير وجبة غداء معينة كونها تستضيف ابنتها الكبرى، وعندما نضج الغذاء قالت قبل أن تأكل شيئاً "أعتذر فأنا لدي مشوار هام للغاية"، وتركت ابنتها التي لم تتركها قط في حياتها منذ تزوجت ولم تعد للبيت، ثم سمعنا أنها استشهدت في عملية استشهادية، وبدأ أبناؤها السبعة بالتكبير والتهليل وقد رفعوا رؤوسهم عالياً بما قدمته والدتهم، وباشروا بتوزيع الحلوى كما أوصت في وصيتها التي تلتها وسمعها العالم بأسره".
وعن الرسالة التي تقدمها الأم والجدة قالت كنتها أزهار: "هذه رسالة قوية للعالم أجمع وللاحتلال الصهيوني مفادها أن الطفل والشاب والأم مهما بلغ عمرها بإمكانها أن تدافع عن ثرى فلسطين بما تستطيع، ولديها ما تقدمه لاستعادة تراب الوطن الذي دنسه المحتل".
الجدة فاطمة النجار اختارت يوم الاستشهاد في اليوم الذي توفي به زوجها في الثالث والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر للعام السابق 2005 لتكون بذلك تاسعة استشهادية فلسطينية من الاراضي الفلسطينية، والثالثة من قطاع غزة بعد الاستشهادية من كتائب عز الدين القسام ريم الرياشي في شباط/ فبراير 2003، والاستشهادية ميرفت مسعود التي استشهدت في تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري 2006 أيضاً هي من جباليا، وفجرت نفسها بين جنود الاحتلال في بيت حانون.
الانتقاد/ تحقيقات ـ العدد 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018