ارشيف من : 2005-2008
عوامل تهدد بانهيارها : التهدئة في غزة بين التوازنات السياسية الداخلية والأهداف الصهيونية
غزة ـ عماد عيد
أشاعت التهدئة التي اعلنتها الفصائل الفلسطينية أجواء من الارتياح في الشارع الفلسطيني على أمل أن تكون خطوة تمهيدية لخطوات أخرى، تتعلق بشكل أساسي بإمكانية التوصل القريب الى تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بما لها من انعكاسات ايجابية على الجبهة الداخلية الفلسطينية، وحل قضية الجندي الصهيوني الاسير في قطاع غزة جلعاد شليط مقابل الافراج عن أسرى فلسطينيين من السجون الاسرائيلية، والبدء في اجراءات صهيونية من شأنها التخفيف من معاناة الشعب الفلسطيني كفتح المعابر وخصوصا معبر رفح الحدودي، والافراج عن الاموال المحتجزة لدى الحكومة الصهيونية والمقدرة بـ700 مليون دولار.
وبحسب المراقبين ومختلف الأوساط الفلسطينية ايضا فإن اتفاق التهدئة تضمن نقطتين هامتين بالنسبة الى الفلسطينيين، الأولى هي الترحيب الصهيوني الفوري به، والبدء بسحب القوات الصهيونية من شمال القطاع فور دخول الوقت المحدد. وقد يفسر ذلك مدى الأزمة الذي تعيشها الحكومة الصهيونية برغم تطرفها، ومدى الهلع الذي اصبح هاجسا للمستوطنين الصهاينة خصوصا في مستوطنة سديروت التي بدأ سكانها يرحلون عنها بفعل الصواريخ المحلية الصنع والتي تنطلق من قطاع غزة، والثانية القبول الصهيوني بالتبادل في قضية الأسرى، وهي ربما المرة الاولى التي تقبل فيها "اسرائيل" هذا المنطق، مع أن الحديث في هذه التهدئة يدور فقط عن قطاع غزة مقابل وقف اطلاق الصواريخ، وهو ما يمكن أن يشكل استفزازا واضحا لفصائل المقاومة الفلسطينية المختلفة، وأن يؤدي ذلك الى انهيار التهدئة وبسرعة متناهية.
وقد تعمد الجيش الصهيوني ترسيخ قواعد هذا التفاهم من خلال التوغل في اليوم التالي للتهدئة في قباطية وقتل قيادي من ألوية الناصر صلاح الدين ومسنّة فلسطينية حاولت انقاذه بعد اصابته بجروح، فضلا عن الاعتقالات التي طالت خمسة عشر فلسطينيا في اليوم نفسه من مختلف مناطق الضفة خلال عمليات صهيونية خاصة، إلى جانب حادثة اختطاف فتاة فلسطينية من منطقة الخليل على يد مستوطنين صهاينة دون معرفة الأسباب، وهو الأمر الذي ردت عليه المقاومة الفلسطينية بإطلاق الصواريخ مجددا باتجاه سديروت وعدد من الاهداف الصهيونية شرق القطاع رداً على هذه الخروقات الصهيونية، وتعبيرا عن رفض المقاومة بكل اطيافها ان تنفرد القوات الصهيونية بالضفة الغربية، وان ينعم القطاع بالتهدئة.
وقد ذكرت بعض المصادر الفلسطينية المطلعة ان الرئيس محمود عباس طلب من رئيس الوزراء الصهيوني ايهود اولمرت عدم تنفيذ عمليات في الضفة تؤثر على التهدئة لكن الأخير رفض، وبحسب مصادر مطلعة فإن حركة الجهاد الاسلامي كانت الفصيل الوحيد الذي لم يوقع على التهدئة بهذه الصيغة، وذلك لاعلان تحفظها عليها لهذا السبب، وكذلك فإن بعض المجموعات العسكرية المحسوبة على حركة فتح ايضا لم تلتزم بهذه التهدئة وأطلقت دفعات من الصواريخ باتجاه مستوطنة سديروت..
بعض المراقبين تحدثوا عن المؤتمر الموجود في الاردن ووصول الرئيس الاميركي بوش ولقائه مع بعض المسؤولين العرب، وحرصه على خلق اجواء تهدئة نسبية في المنطقة بعد هزيمة حزبه في انتخابات الكونجرس الاميركي من جهة، والأزمة الخطيرة (إطلاق الصواريخ من غزة) التي عجزت الحكومة الصهيونية عن حلها برغم كل العمليات الموسعة في قطاع غزة، وتكثيف الاغتيالات والقصف الذي استهدف المنازل التي تتبع لنشطاء الفصائل الفلسطينية، وقصف المنشآت الأخرى من جهة اخرى، هو ما أدى الى سرعة القبول الصهيوني بالموافقة على التهدئة الفلسطينية بمجرد الاعلان عنها، وهو ما شكل مفاجأة ربما لاطراف دولية ومحلية عدة.
ولكن بعض المراقبين اعتبروا ان هذه الخطوة لن تطول كثيرا بسبب التعنت الصهيوني، وعليه فإن الاوضاع يمكن أن تنفجر في أية لحظة، لكن تكهنات أخرى أشارت الى امكانية أن تكون هذه التهدئة واحداً من بنود صفقة شاملة توصلت لها الاطراف مع السلطة الفلسطينية ستؤدي في نهاية المطاف الى اطلاق سراح اسرى مقابل اطلاق سراح الجندي شاليط، وان اعلاناً ما عن تشكيل الحكومة الفلسطينية سيصدر قريباً، وهذه الصفقة ربما سيتم إعلانها في إحدى العواصم العربية مثل القاهرة أو دمشق أو الدوحة بعد أن بدأ رئيس الوزراء الفلسطيني جولة قيل انها ستستمر حتى موسم الحج حيث سيؤدي اسماعيل هنية فريضة الحج هذا العام، إضافة الى وصول رئيس المخابرات المصرية عمر سليمان الى الكيان الصهيوني بعد لقائه خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس في القاهرة، ولقائه رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية في مستهل هذه الجولة، ولكن كل الامور تبقى قابلة للتنفيذ أو الفشل في اية لحظة لما لها من حساسية بالنسبة لكل الاطراف، وبسبب التعنت والغطرسة الصهيونية ايضاً.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018