ارشيف من : 2005-2008

ديمقراطية.. مودرن

ديمقراطية.. مودرن

جاء رجل من أقصى البلاد يسأل عن الديمقراطية التي ثقبت الوسائل الإعلامية أذنيه بكثرة الحديث عنها.‏

أتاه الجواب عن أي ديمقراطية تتحدث؟‏

توقف متعجبا وقبل أن يفتح فمه ليستعلم ما إذا كان هناك أكثر من ديمقراطية، أردف المجيب: هناك ديمقراطية تقوم على احترام حقوق الإنسان في العيش الكريم، وتستجيب لكل ما يتطلبه هذا العيش الكريم، وهذه ديمقراطية أفَلت منذ زمن ولم يعد أحد يتحدث عنها.‏

وهناك الديمقراطية الحديثة أو (المودرن) التي تطبّقها واشنطن وما لفّ لفيفها من دول العالم المستكبر على دول العالم المستضعف.‏

طبعا هذا الرجل الغريب طنّت في أذنيه كلمة "مودرن" فهمّ للاستفسار عنها فقوبل بالرد: وهذه الديمقراطية يمكن أن ترى مسارحها في أفغانستان والعراق وفلسطين ولبنان، وإليك مثال:‏

قبل حوالى ثلاث سنوات ونيف تم احتلال العراق بمسمّى الديمقراطية ولإطاحة نظام ديكتاتوري ظالم ومجرم. والجميل في الأمر أن من احتل هذا البلد هو نفسه من كان يدعم ذاك النظام البائد، وهو أمر يتكرر للمرة الثانية خلال عامين حيث كان المحتل نفسه جنّد حملة عالمية كبيرة لاحتلال أفغانستان وتحريرها من نظام طالبان، الذي وللمصادفة كان يحظى بدعم قوي من قبل هذا المحتل.‏

بعد ذلك نُصّبت سلطة لتجهّز لانتخابات حرة ونزيهة وهكذا كان، هنا رأى جهابذة الديمقراطية المودرن أن من أفرزتهم هذه الانتخابات لا يماشونها لا بالسياسة ولا بالتوجهات، فبدأت بمحاربتهم، وهذا مشهد تكرر ايضا في فلسطين، عندما فازت حماس بانتخابات حرة ونزيهة، فقرروا محاصرة الشعب الفلسطيني ومعاقبته على خياره الديمقراطي.‏

لنعُد إلى العراق، فقد أفرزت الانتخابات حكومة برئاسة الجعفري، ولكن أعمال هذا الأخير لم ترُق أولئك الجهابذة، فتم رفع البطاقة الحمراء بوجهه، ومنع من العودة إلى الحكم غصبا عن رأي وإرادة ثلاثة أرباع الشعب العراقي.‏

جاء المالكي بمباركة منهم، لكن أفعاله لم تختلف عن سلفه، ولم تجرِ الرياح بما تشتهيه سفنهم، فبدأوا التحضير على ما يبدو لتغييره، بعدما تبيّن انه لا يتماشى مع رؤيتهم، وبدأ الحديث عن "إعطائه فرصة أخيرة".‏

هنا سأل ذاك الرجل الغريب حانقاً ومتعجباً: وهل يحق لهم إعطاء من انتخبه شعبه وقبل به حاكما عليهم فرصة أولى أو أخيرة؟‏

جاءه الجواب سريعاً: إنها ديمقراطية المودرن يا عزيزي.‏

محمد يونس‏

الانتقاد/ باختصار ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01