ارشيف من : 2005-2008

زيارة البابا إلى تركيا.. هل تصلح الإساءة؟

زيارة البابا إلى تركيا.. هل تصلح الإساءة؟

بنيديكت السادس عشر إلى تركيا.‏

زيارة تستغرق أربعة أيام، وهي الأولى التي يقوم بها إلى بلد إسلامي، والثانية بعد الزيارة التي قام بها سلفه البابا يوحنا بولس الثاني إلى دمشق قبل خمس سنوات.‏

وتأتي هذه الزيارة خصوصاً في أعقاب الأزمة التي أثارتها تصريحاته المسيئة إلى الإسلام، والتي أطلقها قبل شهرين من إحدى الجامعات الألمانية، ورفض التراجع عنها وسط تأويلات ذهب أكثرها إلى أن المسلمين لم يفهموا تلك التصريحات التي كان قد استشهد بها، للربط بين الإسلام والعنف، بأحد باباوات القرون الوسطى. وكان العديد من المسؤولين المسلمين قد شبهوا اللغة العدائية لتصريحات البابا بتلك التي كان يطلقها باباوات القرون الوسطى في إطار التحريض الصليبي.‏

كما تأتي الزيارة في ظل الأجواء التي أثارها موقف البابا المعارض لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الموقف الذي كان اتخذه قبل توليه منصب الحبر الأعظم، والذي يبدو أنه قد تراجع عنه شكلياً عندما أعلن من اسطنبول، أنه يؤيد ذلك الانضمام اذا استوفت تركيا الشروط المطلوبة، وهي شروط يبدو أنها لن تسمح لتركيا وفقاً لآخر تصريحات وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي، بتحاشي البطء في مفاوضات الانضمام. والمعروف أن هذه المفاوضات تتعرض لشتى أنواع العراقيل التي برزت منها مؤخراً عناصر أعادت إحياء الأزمة القبرصية المفتوحة على الصراع التاريخي المحتدم بين تركيا واليونان، وما ينطوي عليه ذلك من إشكالات دينية مرتبطة بإسلامية تركيا وأرثوذكسية اليونان، ووجود أقليات أرثوذكسية في الأولى ومسلمة في الثانية، وانسحاب ذلك على الانقسام الديني بين سكان قبرص.‏

والمعروف أن الإسلاميين قد أحرزوا تقدماً كبيراً خلال السنوات الأخيرة، تجسد بتشكيل حكومة رجب طيب أردوغان، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن اليونان تشهد ما يمكن تسميته بصحوة أرثوذكسية يبرز فيها الحنين إلى الماضي البيزنطي في ظل التركيز الشديد على الطابع المقدس لبيزنطية (اسطنبول الحالية)، التي كانت قد سقطت في أيدي العثمانيين في القرن الخامس عشر. وبالطبع تحتل كنيسة آيا صوفيا التي حولها العثمانيون إلى مسجد قبل أن تتحول إلى متحف في ظل حكم مصطفى كمال، موقعاً مهماً في تحريك مشاعر الطرفين اليوناني والتركي.‏

وتتصل زيارة البابا بنيديكت السادس عشر بهذه الإشكالية، لأنها جاءت في الأساس تلبية لدعوة كان قد وجهها بارتولوميو الأول بطريرك الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية، الذي لا تعترف تركيا بسلطته على الأرثوذكس الأتراك، إلى البابا يوحنا بولس الثاني، بهدف تحقيق الانفتاح بين الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، في ظل الجمود الذي هيمن على العلاقات بينهما خلال فترة البابا يوحنا بولس الثاني، والذي يعود إلى خلافات مذهبية معقدة، أضيف إليها نفور مسيحيي الشرق تجاه الصليبيين الذين لم يترددوا في تدمير بيزنطية عاصمة الأرثوذكسية وقتل سكانها عام 1204، خلال إحدى الحملات الصليبية. وأخيراً، تأتي الزيارة متزامنة أيضاً مع زيارات بوش ورايس وتشيني إلى المنطقة، في وقت ترتفع فيه حدة التوترات في العراق والأراضي الفلسطينية المحتلة ولبنان وأفغانستان والسودان والصومال، إضافة إلى تلك المرتبطة بالملف النووي الإيراني السلمي.‏

ويجتمع عدد من هذه الأسباب، وخصوصاً تصريحاته المسيئة للإسلام، ليفسر تظاهرات الشجب الواسعة النطاق التي استقبل بها البابا بنيديكت السادس عشر، والتي جندت السلطات التركية لاحتوائها ما يزيد على ستة عشر ألفاً من رجال الشرطة. لكن كل ذلك لم يمنع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، من تأجيل سفره إلى لاتفيا حيث تنعقد قمة الأطلسي، أو من استقبال البابا على باب الطائرة في خطوة يعتبرها البعض منافية للتقاليد المرعية في هذا المجال. وكان في طليعة نشاطات البابا في تركيا وضعه إكليلاً من الزهور على ضريح أتاتورك، وزيارته للمسجد الأزرق، وكلا الأمرين لا يخلو من حساسية في ظل التوترات القائمة حالياً في تركيا بين العلمانيين والإسلاميين.‏

عقيل الشيخ حسين‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ديسمبر 2006‏

2006-12-01