ارشيف من : 2005-2008
مجزرة الخميس الدامي.. هل نحتاج الى مزيد من الأدلة لفهم ما يجري؟
بغداد ـ عادل الجبوري
مرة أخرى اصطبغت أسواق وشوارع وأزقة مدينة الصدر بلون دماء المئات من أبنائها الأبرياء، في مجزرة دموية كانت مختلفة بكل المقاييس عن سابقاتها من حيث طبيعة التخطيط والتنفيذ وحجم الاستهداف.
بالضبط في الساعة الثالثة من عصر يوم الخميس الماضي (23/11/2006)، انفجرت ست سيارات مفخخة بالتتابع وبفواصل زمنية وأماكن مدروسة بدقة من قبل أناس يمتلكون خبرة غير قليلة في المسائل العسكرية والاستخبارية، واستعدادا غريزيا للقتل دون وازع من ضمير، وكذلك قصف المنطقة بقذائف "المورتر"، أوقع اكثر من مئتي شهيد وما يقارب ثلاثمئة جريح، ناهيك عن الأضرار والخسائر المادية الكبيرة في ممتلكات المواطنين من محلات وسيارات وبيوت.
كل ذلك أشاع أجواءً قاتمة من الرعب والفزع في نفوس الجميع، الى جانب مشاعر الغضب العارم على الجماعات الإرهابية من بقايا النظام السابق والتكفيريين ومن يتعاطف معهم ويبرر جرائمهم تحت لافتة "المقاومة".
واللافت هنا ان الجهات المخططة والمنفذة حرصت على ان تختار أماكن وتوقيتات لتفجير السيارات الست بحيث توقع أكبر عدد من الضحايا، وتمنع أو تعرقل حركة الناس ووصول سيارات الإسعاف والفرق الطبية لإنقاذ الجرحى او نقلهم الى المستشفيات والمراكز الطبية القريبة.
ولا شك في ان الجهات الضالعة في أحداث الخميس الدامي أرادت ان تحقق جملة أهداف، سيما انها استغلت حالة الاحتقان السياسي وتأثيراتها على الشارع لتزيد من خلط الأوراق وتأزيم الامور وإفشال أي جهود خيّرة، سواء من قبل الحكومة او أي أطراف أخرى لمعالجة الازمة واحتوائها.
ومن بين تلك الأهداف:
ـ تفعيل مشروع ومخطط استهداف أتباع أهل البيت عليهم السلام وبث الرعب والفزع في نفوسهم، من خلال تنفيذ عمليات اجرامية دموية في المناطق التي تقطنها غالبية منهم، مثل مدينة الصدر والكاظمية وكربلاء والنجف وغيرها.
ـ بث الفرقة والفتنة بين مكونات المجتمع العراقي عبر ترسيخ الانطباع لدى معظم الناس بأن ما يجري من عمليات ارهابية هي ليست سوى وجه من وجوه الحرب والصراع بين السنة والشيعة، لا بين الشعب العراقي من جهة وبقايا النظام البائد والزمر التكفيرية من جهة أخرى.
وقد تكون عمليات القصف بقذائف الهاون وصواريخ الكاتيوشا والهجمات المسلحة التي تعرضت لها مناطق مختلفة من العاصمة بغداد ومحافظات أخرى، مثل الكاظمية والأعظمية وبلدروز وبعقوبة وغيرها، وكرد فعل على ما حصل في مدينة الصدر عصر يوم الخميس، تُعد جزءا من الهدف آنف الذكر، سيما ان البعد الطائفي والمذهبي بدا واضحا عليها.
ـ رفع حدة التجاذبات السياسية بين مكونات الساحة العراقية، سواء المشاركة في العملية السياسية او تلك التي لم تدخل فيها، علّ ذلك يفضي الى وصول العملية السياسية الى طريق موصد، وبالتالي انهيار الحكومة والعودة الى نقطة الصفر وفتح الباب واسعا لمرحلة من الفوضى العارمة، عسى ان يسمح ذلك بإعادة المعادلة السياسية السابقة كأمر واقع لا بد منه.
ـ إفشال مشروع الفيدرالية الذي نص عليه الدستور العراقي الدائم وأقره البرلمان، خاصة أن أكثر من دعا الى هذا المشروع وعمل بجد على ترجمته على أرض الواقع، التيارات والقوى والشخصيات السياسية الممثلة للكيان الشيعي في المجتمع العراقي، والأوساط والفئات المضطهدة والمحرومة في عهد النظام البائد.
ومن الواضح ان الاهداف الآنفة، وربما غيرها، تفضي من خلال التأمل فيها بدقة الى نتيجة واحدة، لكنها متعددة الأبعاد والجوانب والعناوين، ويمكن إيجازها بعبارة واحدة مقتضبة، هي إفراغ العملية السياسية برمتها من محتواها وجوهرها، وإيصال الشارع العراقي وأطراف سياسية عراقية وإقليمية ودولية الى نتيجة مفادها انه لا بد من العودة الى الوضع السابق، أي الى ما قبل التاسع من نيسان/ أبريل 2003، او الى شيء قريب له.. وهو ما يعني إعادة فرض معادلة الحكم الظالمة بطريقة لا تختلف كثيرا عن الطريقة التي وُجدت عبرها، والأساليب والوسائل والمناهج التي رسختها وعمقت جذورها في الأرض.
والأمر الجدير بالإشارة هنا هو أنه في اليوم التالي للتفجيرات شهدت مدينة الصدر مواجهات بين القوات الاميركية ومجاميع مسلحة من أبناء المدينة، قيل إنها تابعة لجيش المهدي الذي يتزعمه السيد مقتدى الصدر، فضلا عن قيام طائرات أميركية بقصف بعض أحياء المدينة، الى جانب حملة مداهمات نفذتها تشكيلات من قوات الاحتلال للبحث عن مطلوبين ومشتبه بهم.
وهذا التصعيد من قبل القوات الاميركية زاد من مشاعر الغضب والاستياء والسخط لدى أبناء المدينة التي عاشت طيلة الأشهر الثلاثة الماضية أوضاعا سيئة للغاية بسبب تواصل حملات المداهمات والقصف الجوي والاعتقالات.
ولا تستبعد بعض الأوساط ان تشهد المدينة مزيدا من التصعيد بين قوات الاحتلال وجيش المهدي والتيار الصدري اذا لم يطرأ تبدل على آليات تعاطي الأولى مع الواقع القائم.
وفي كل الأحوال، وبعيدا عن الخطابات والمواقف الانفعالية المحكومة بظروف اللحظة الآنية، فإن مجزرة مدينة الصدر وما قد يترتب عليها من استحقاقات لا تخدم أي طرف من الأطراف سوى قوات الاحتلال والجماعات الإرهابية التكفيرية والصدامية التي لا يُستبعد ان تعلن خلال وقت قريب مسؤوليتها عنها. وإذا أريد ألا تتسع وتتمدد دوامة العنف والقتل والاستهداف العشوائي مثلما يسعى أعداء هذا الشعب، فعلى الذين يوفرون القاعدة والأجواء والظروف المناسبة لتنفيذ مهرجانات القتل الجماعي بأبشع الطرائق والوسائل بحق المواطنين الأبرياء، لا سيما أتباع أهل البيت عليهم السلام، على هؤلاء ان يعيدوا النظر في أقوالهم وأفعالهم ومواقفهم، حتى لا يكونوا أدوات في مشروع القتل الجماعي الشامل.
الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018