ارشيف من : 2005-2008

في الطهور(*)

في الطهور(*)

اعلم أن للانسان السالك في الوصول إلى المقصد الأعلى ومقام القرب الربوبي طريقين على نحو كلي، أحدهما وله مقام الكليّة والأصالة وهو السير إلى الله بالتوجه إلى مقام الرحمة المطلقة، وخصوصاً الرحمة الرحيمية، وهي رحمة توصل كل موجود إلى كماله اللائق به، ومن شعب الرحمة الرحيمية ومظاهرها بعث الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم الذين هم هداة السبل والمساعدون للمتأخرين عن السير، بل ان دار التحقق في نظر أهل المعرفة وأصحاب القلوب هي صورة الرحمة الإلهية، والخلائق دائماً مستغرقون في بحار رحمة الحق تعالى ولكنهم لا يستفيدون منها.‏

فهذا الكتاب العظيم الإلهي الذي نزل من عالم الغيب الإلهي والقرب الربوبي، ولأجل استفادتنا نحن المهجورين وخلاصنا نحن المسجونين في سجن الطبيعة والمغلولين في سلاسل أهواء النفس والآمال، وقد صار في صورة اللفظ والكلام هو أحد المظاهر العظيمة للرحمة المطلقة الالهية، وما استفدنا نحن الصم العمي منه بشيء ولا نستفيد. وان الرسول الخاتم والولي المطلق الأكرم الذي شرفنا وقدم من محضر القدس الربوبي ومحفل القرب والأنس الالهي إلى هذا المنزل، منزل الغربة والوحشة، وابتلي بمعاشرة أمثال أبي جهل وشرّ منه ومراودته.‏

فلا بد للسالك إلى الله أن يرى التطهير بماء الرحمة صورة لاستفادته من الرحمة الالهية النازلة، وما دامت الاستفادة له ميسورة، لا بد أن يقوم بأمرها، واذا قصرت يده عنها بسبب القصور الذاتي أو تقصيره، وبسبب فقد ماء الرحمة، لم يكن له بدّ من التوجه بذلّه ومسكنته وفقره وفاقته، فإذا جعل ذلّة عبوديته نصب عينيه، وتوجه باضطراره الذاتي وفقره الذاتي وإمكانه الذاتي، وخرج من التعزز والغرور وحب النفس، ينفتح له باب آخر من الرحمة، وتبدل بأرض الطبيعة أرض الرحمة البيضاء، ويصير التراب أحد الطهورين، ويصير مورداً لترحم الحق تعالى وتلطفه.‏

(*) من كتاب الآداب المعنوية للصلاة للإمام الخميني (قده)‏

الانتقاد/ نور الولاية ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01