ارشيف من : 2005-2008

الإسلام دعوة جميع الأنبياء والرسل

الإسلام دعوة جميع الأنبياء والرسل

جاء اختيار القرآن اسم «الاسلام» عنواناً لشريعة سيد المرسلين محمد(ص) دقيقاً وشاملاً بشكل حافظ على التناسب والارتباط بين أهداف الشريعة من جهة، وبين الاسم "الاسلام" الذي سميت به الشريعة من جهة أخرى.‏

ونستطيع أن نكتشف هذه العلاقة إذا عدنا إلى قواميس اللغة أولاً، وعرفنا أن كلمة «الاسلام» تعني في لغة العرب الخضوع والاستسلام . ثم انتقلنا (من قواميس اللغة) إلى محتويات الشريعة، من عقائد وأخلاق وأحكام ليتبين لنا أن هذه البنية الدينية بكامل وحدتها تستهدف (الخضوع والاستسلام لرب العالمين، والتحرر من كل خضوع واستسلام لطواغيت البشر). وإن هذا الدين لم يُسمَّ (بالاسلام) إلاّ لانه منهاج الاستسلام والخضوع لرب العالمين، ودعوة الخلاص والتحرر من كل عبودية، وضع الانسان قيدها في عنقه.‏

وإذا تتبعنا كلمة «الاسلام» في مختلف مواضعها من القرآن الكريم. نعرف أن "الاسلام" ليس مختصاً بخاتم النبيين(ص). وإنما هو الدين الذي دعا إليه جميع الانبياء والمرسلين دون استثناء، من لدن آدم (ع)إلى نبينا محمد (ص).‏

وقد أورد القرآن الكريم ذكر كلمة "الاسلام" بالمعنى المتقدم، على لسان الأنبياء تارة أو الصفوة المؤمنة من أتباعهم تارة أخرى.‏

قال تعالى حاكيا عن لسان نوح (ع) قوله: (فَإن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سأَلْتُكُم مَّنْ أَجْر إنْ أَجْرِيَ الاَّ عَلَى الله وأُمِرْتُ أنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).‏

وقال تعالى في مورد آخر، راوياً صيغة الخطاب الالـهي الموجه لابراهيم(ع): (إذْ قَالُ لَهُ رَبُّهُ أَسلِمْ قَالَ أسْلَمْتُ لِرَبَّ الْعَالَمِين * وَوَصَّى بِهَا إبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إنَّ الله اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين فَلاَ تَمُوتُنَّ إلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).‏

وقال تعالى: (... مِّلَّةَ أبِيِكُمْ إبْرَاهِيَم هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ ...) .(الحج/78).‏

وقال تعالى متحدثاً عن لسان يوسف (ع): (رَبِّ قَدْ آتَيْتني مِنَ الْمُلْك وَعَلمْتنِي مِن تّأْويلِ اْلاَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَاْلاَرْضِ أَنتَ وَليِّ فِي الدُّنْيَا وَاْلاخِرَهِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالِصَّلِحِينِ).‏

وقال تعالى ناقلاً حوار موسى (ع) مع قومه: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَّوْمِ إن كُنتُمْ آمَنتُم بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إن كُنتُم مُّسْلِمينَ).‏

وقال تعالى: (وَإذْ أَوْحَيْتُ إلَى الحواريين أنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولي قَالُوْاْ آمَنّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِموُن).‏

ومثل مقالة الانبياء جميعاً قال سيد المرسلين محمد (ص):‏

(إنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا ولَهُ كُلُّ شَيء، وَأُمِرْتُ أنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).‏

ومن هنا نرى أن الانبياء جميعاً حملوا للبشرية دينا واحداً، وبشروا بعقيدة واحدة، واتجهوا نحو غاية واحدة، قد جعلها الله سبحانه أساساً ومنطلقاً لاصلاح البشرية. وهي: «تحقيق العبودية لله، وإسلام البشرية لرب العالمين، وتحريرها من عبادة الطواغيت، والاهواء، ومن كل صنوف العبوديات البشرية الضالة ومن تلك المآسي التي حلّت بالبشرية جرّاء هذه العبودية الزائفة».‏

وللحقيقة ذاتها اعتبر القرآن الكريم الايمان بكل الانبياء والرسل ركناً أساسياً من عقيدة المسلم، ودليلاً تاريخياً ومنطقياً على صدق الرسالة المحمدية، قال تعالى:‏

(قُولُواْ آمَنَّا بالله وَمَآ أُنزِلَ إلَيْنَا وَمَآ أُنزِلَ إلى إبْرَاهِيمَ وَاسْمَاعِيلَ وَإسْحاقَ وَيَعْقوبَ وَاْلاَسْبَاطِ وَمَا أوتيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَآ أوتيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرَّقُ بَيْنَ أَحَد مّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).‏

وقد أراد الله سبحانه، لرسالاته هذه جميعاً أن تلتقي روافدها في مجرى واحد، وتتركز أنوارها في بؤرة واحدة، وتكتمل دعواتها في دعوة واحدة .. فكانت دعوة الاسلام، ورسالة محمد (ص) هي الدين الخالد، وخاتمة الاديان والرسالات، والمنهاج المهيمن على مناهج الرسل، والمستوعب لها جميعاً:‏

(وَأَنزَلْنَآ إليْكَ الْكِتَّابَ بِالْحَقِ مُصَدِّقاً لمَّا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكتَّابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنَزَلَ الله وَلاَ تتّبعْ أهْواءهُمْ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً..).‏

أما الفوارق بين ما يبلغه رسول وآخر فهو في اختلاف "الشرائع" التي جاء بها كل منهم كما أشارت الآية (لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرعَةً وَمِنْهاجاً) والشرعة والمشرعة هي الممر والوجهة والطريق إلى النهر، وليس النهر نفسه. والنهر هنا، هو الدين. فشرعة كل نبي هي بمثابة الطريق التي تفضي بسالكيه إلى الغاية النهائية المنشودة من الدين الواحد "الإسلام"، وهي عبادة الله تعالى والامتثال لإرادته وحده لا شريك له. بكلام آخر الشرعة هي الأوامر والنواهي الإلهية نفسها التي يعبّر عنها بالحلال والحرام. وهي أمور كانت قبل الشريعة الخاتمة، تتماشى مع درجة التطور والنضج العقلي والنفسي التي بلغها هذا القوم أو ذاك في هذا المقطع الزمني أو ذاك من عمر البشرية. من هنا كان التفاوت بين شريعة وشريعة مما جاء به الأنبياء. ومن هنا ندرك معنى خاتمية الشريعة التي جاء بها الرسول الأعظم محمد(ص) وسببها. فإن البشرية حين بلغت منتهى نضجها حيث لا تطور أو تغير لاحقاً في أسس شخصيتها نفسياً وعقليّاً جاءت الشريعة المحمدية متناسبة مع ذلك فكانت أحكامها غاية في الشمول والإحاطة. ولذا كانت خالدة، وكانت الخاتمة. وبالتالي كانت الصيغة التشريعية المستوفية لتطور الانسانية، وتناميها الحضاري المتصاعد.‏

وهكذا فإن دعوات الانبياء ليست أدياناً متعددة، بل هي شرائع متعددة لدين واحد حملها الانبياء إلى أجيال البشرية المتعاقبة: قال تعالى: (شَرَعَ لَكمُ مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً، وَالَّذي أَوْحَينا إِلَيْك، وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَّفَرَّقُواْ فِيُهِ).‏

اسماعيل زلغوط‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01