ارشيف من : 2005-2008

"الأنصار والرسول" لـ"إبراهيم بيضون":بذور المعارضة في الدولة الإسلامية

"الأنصار والرسول" لـ"إبراهيم بيضون":بذور المعارضة في الدولة الإسلامية

دراسة المؤرخ الدكتور إبراهيم بيضون الموسومة بـ"الأنصار والرسول (ص) ـ إشكاليات الهجرة والمعارضة في الدولة الإسلامية الأولى" (دار الهادي ـ بيروت)، تتناول تاريخ الأنصار في عهد الرسول، متابعة بدقة وشمولية دورهم في التكوين السياسي لدولة المدينة، تلك الدولة التي حملت في مضمونها مشروع "وحدة العرب" المتناثرين قبائل متنافرة أو تابعة لقوى خارجية في شبه الجزيرة وأطرافها، متجسداً كحلقة أولى في جبهة الأنصار وحلقة أوسع في الجماعة الإسلامية: (الأوس والخزرج وبعض قريش والقبائل العربية في الحجاز).‏

فـ"أنصار" رسول الله (ص) هم أفراد قبيلتي الأوس والخزرج، العرب المسلمون الأوائل من أهل يثرب التي أصبحت "المدينة المنورة" لدى دخول الرسول (ص) اليها وإقامته فيها حتى وفاته، بعدما احتضنه هؤلاء مترجمين تلبيتهم لدعوته لهم للدخول في الإسلام، فهم الذين أخلصوا له أشد ما يكون له الإخلاص حتى النفس الأخير من حياته. فهاتان القبيلتان كانتا أكبر قبيلتين عربيتين في يثرب، وقد عاشتا كنظيراتهما من القبائل العربية الأخرى في حروب طويلة في ما بينهما أنهكتهما معاً، إلى أن جاء رسول الله محمد (ص) بدعوته الرسالية (الإلهية)، فوحّد كلمتهما على الإسلام وافتخر بصحبتهما "النظيفة"، والشاهد قوله: "فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار". كما افتخر الأنصار بولائهم المطلق للرسول (ص)، فقد وصفهم أحد زعمائهم بأنهم "كتيبة الإسلام"، فكان الرسول وإياهم أهلاً لهذا الافتخار ولهذه الصحبة.‏

ومن هنا جاءت التسمية الموحدة أعلاه التي عُرفوا بها على امتداد التاريخ الإسلامي كله، وذلك تفريقاً عن التسمية التي أطلقت على أصحاب الرسول "المهاجرون"، ذلك النفر من قريش الذين هاجروا معه من مكة إلى المدينة.‏

وهكذا نهض الإسلام آنذاك بهذين الجناحين اللذين حلّق بهما عالياً، في انطلاقته الرائدة الجديرة بالحياة، التي أسدى كل مقوماتها الأساسية ودعائمها المركزية الصلبة الأنصار الذين استضافوا الرسول والمهاجرين معه، الوافدين عليهم من موطنهم الأصلي مكة طلباً للأمان من اضطهاد قبيلتهم قريش لهم، أكبر قبيلة عربية في بلاد الحجاز، والتي كانت ذا منعة وصولة وسطوة لا تُضاهى في ذلك الوقت. وانطلاقاً من ذلك وبموجبه تعلن هذه الدراسة أن دور الأنصار في الدولة الإسلامية كان على جانب كبير من الأهمية، فهي في رصدها لحركة الإسلام التاريخي تطرح إشكاليات عدة رافقت هذه الحركة بشقيها الموالي والمعارض، وما واكبها من حركة للمنافقين كفريق ثالث موالٍ لليهود منذ نشوء الدولة الإسلامية الأولى وصولاً إلى سقوط الدور السياسي للأنصار في "السقيفة"، أمام تقدم "المهاجرين وسيطرتهم على الخلافة بعد وفاة الرسول (ص)".‏

فهذه الدراسة في تتبعها للأحداث التاريخية تلقي الضوء على خلفيات هذه الأحداث، لإظهار الحقائق الموضوعية الكامنة وراءها المتمثلة بالأسباب الاجتماعية الاقتصادية التي هي الأساس الموضوعي للأسباب السياسية المعلنة. ويقول بيضون ان المؤرخ "ليس من شأنه التأسيس على الافتراض"، ما يعني ان المؤرخ من شأنه التأسيس على وقائع دامغة، وهذا عين ما فعله في هذه الدراسة التي لا تعدو كونها محاولة علمية موثقة بعشرات المصادر التي تُغني الموضوع المعالج وتستوفي شروطه وتستجلي أبعاده بمرونة وشفافية، وذلك عبر سياق منهجي تاريخي في سرد الأحداث انطلاقاً من المرحلة السابقة على الهجرة التي كان لها تأثير ما في التغيرات التي شهدتها المدينة، مستهلاً ذلك بمدخل عن البنية القبلية للمدينة "يثرب" قبل الإسلام. بينما توقف الباب الأول عند الهجرة ودور الأنصار في نشوء الدولة الإسلامية الأولى، ودورهم في الصراع مع اليهود، وكذلك دورهم في السرايا والغزوات، فضلاً عن الخلافة التي حُسم أمرها للمهاجرين في مكان لبني ساعدة (من الخزرج) أو ما عُرف بالسقيفة.‏

وتناول الباب الثاني الانقسام القبلي في المدينة الذي عبرت عنه حركة النفاق، وذلك من خلال نظرة جديدة راعت التناقضات الداخلية التي نشأت في ظلها هذه الحركة. أما الباب الثالث والأخير الذي حمل عنوان: "زعامات أنصارية في عهد الرسول"، فقد تناول أنموذجاً شخصيتين بارزتين هما: أبو أيوب الأنصاري وقيس بن سعد بن عبادة، فهذان رجلان بل "زعيمان" من فئة نخبوية طليعية في تاريخنا ارتبطت "بالتحول الكبير الذي جعل يثرب "المدينة" مقراً لدولة الرسول، حيث كان لموقف الأنصار التاريخي تأثير أسياسي في إخراج الإسلام من "دار الاضطهاد" إلى "دار الهجرة"، بما يعنيه ذلك من قهر للتحديات واختراق لحصار "الأحزاب" القبلية (العربية) واليهودية بزعامة قريش، فلقد كانت وقفة بمستوى التاريخ لأولئك "النفر" من الأوس والخزرج الذين ترجع أصولهم إلى "الأزد" من القبائل اليمنية الكبيرة، عندما اتخذوا خيارهم الصعب في بيعتي "العقبة"، فعاهدوا الرسول وفتحوا أبواب مدينتهم له وللمسلمين الأوائل، ضاربين المثل الأنموذج في العطاء والتضحية ونكران الذات، حتى استحقوا عن جدارة لقبهم الذي ميّزهم به الرسول بُعيد الهجرة وكرّسه في أواخر عهده بأنهم "أنصار الله وأنصار رسول الله".‏

أحمد ياسين‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01