ارشيف من : 2005-2008

الإمام الرضا (ع) وولاية العهد

الإمام الرضا (ع) وولاية العهد

زخرت حياة الإمام علي بن موسى الرضا (ع) بالأحداث السياسية المهمة التي كان لها تأثيرها وتداعياتها على الساحة الإسلامية، ومن أبرز وأهم هذه الأحداث: عرض ولاية العهد عليه من قبل المأمون سنة (200هـ)، وتسلّم الإمام (ع) هذا المنصب مدة ثلاث سنوات تقريباً، كانت هي الثقل والأساس للحركة الرضوية التي تعد محطة مفصلية في خط الإمامة.‏

وقد رسم هذا الحدث الفريد من نوعه العديد من علامات الاستفهام على طرفي الصراع في هذه القضية ـ الإمام والمأمون ـ على حد سواء، وأصبح واضحاً لدى الجميع أن مسألة ولاية العهد هي ورقة سياسية، أراد أن يستفيد منها ويستثمرها كل من طرفي الصراع.‏

فالمأمون إنما عرض على الإمام هذه الولاية ليزجّ الإمام في حسابات سياسية يكون المأمون المستفيد الأول والأخير منها، فتقوى بذلك شوكته وتضعف عندها حركة الإمام وتضيق دائرتها، ويكون المأمون بذلك قد حقق نصراً سياسياً على الإمام بكل هدوء وبعيداً عن الشبهات.‏

ولذا أصرّ المأمون ـ بكل ما أوتي من قوة ـ على إرغام الإمام الرضا (ع) على قبول ولاية العهد، وذلك من خلال تهديده له بقتله إن لم يرض بهذا المنصبز وهذا ما يؤكد ويبرهن لنا أن عرض ولاية العهد على الإمام إنما هو خطة سياسية مدبرة من المأمون لاحتواء الإمام وإضعاف موقفه، لا كما تصوّر بعض الذين كتبوا حول سيرة الإمام، من أن المأمون انما فعل ذلك بدافع الحب والإجلال للإمام.‏

فحين يدخل الإمام في الجهاز الحاكم للدولة ويصبح أحد أركانها، فإن شعبيته ستتضاءل بلا شك وستنعدم مع الوقت، وذلك لأن الشعب لا يثق بمن يتعاون مع جلاديه، ولا يمنح قداسة لقائد فقد مصداقيته في نظرهم. فبعد أن كان زاهداً في الدنيا معرضاً عنها، ها هو راكض خلفها متمسك بمناصبها ومكاسبها.‏

هكذا أرادها المأمون.. ولكن هل حقق ما أراد؟‏

لم تكن هذه الحسابات لتخفى على الإمام الرضا (ع) وهو الأعرف بالمأمون وبتاريخه وتاريخ آبائه وأجداده، فهو الذي قتل أخاه لأجل الملك والسلطة، فهل يُعقل أن يتنازل عن خلافة ورثها أباً عن جد ووصلت اليه بسيف يقطر دماً بهذه البساطة؟!‏

لقد كان المأمون بخطته وأهدافه وحساباته حاضراً لدى الإمام ومكشوفاً أمامه، ولذا قابل (ع) هذه الحسابات بحسابات أكثر ذكاءً ودقة وأبعد أفقاً، وذلك حين اشترط (ع) على المأمون بعد إرغامه على قبول ولاية العهد، أن لا يتدخل في أي شأن من شؤون الحكم.. فقد قال (ع): ".. وأنا أقبل ذلك على أن لا أولي أحداً ولا أعزل أحداً، ولا أنقضنّ رسماً ولا سنة، وأكون في الأمر بعيداً مشيراً".‏

وكلامه هذا يؤكد أنه قَبِل هذا المنصب مكرهاً، لا حباً بالدنيا ولا رضى بسياسة المأمون. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فهو (ع) بالشرط السابق قد عطّل منصب ولاية العهد، وقطع بهذا التعطيل الطريق على المأمون، بحيث لم يعد بإمكانه الاستفادة من هذا المنصب واستغلاله لتمرير ما يريد تمريره.‏

وفي المقابل فإن الإمام الرضا (ع) قد استفاد من وجوده في منصب ولاية العهد استفادات عظيمة غابت عن حسابات المأمون، ومن أبرز هذه الاستفادات التي خدمت خط التشيع:‏

ان الإمام الرضا (ع) قد فُتح له الباب على مصراعيه لنشر علوم ومعارف أهل البيت (ع) وتعريف الناس التي كانت تفد عليه من مختلف المناطق بمقام الأئمة ومكانتهم وإمامتهم، مقدماً الحجج والبراهين والأدلة الدامغة التي كان يجود بها في المناظرات والجلسات التي كانت تُعقد في قصر الخلافة.‏

فمن قلب الحكم والخلافة عرّف (ع) الناس بالإمامة، وزعزع أركان الدولة الغاصبة وثبّت عدم شرعيتها.‏

لقد كان المأمون يراقب ما يدور حوله، إلى أن أحسّ وأيقن بأن البساط يُسحب من تحت قدميه، وأن سحره قد انقلب عليه، فقرر التخلص من الإمام (ع) عبر دسّ السم له، فاستشهد (ع) مسموماً مظلوماً، إلا أنه كان منتصراً على خصمه، اذ منعه من تحقيق أهدافه الخبيثة.‏

لقد كانت ولاية العهد معركة سياسية بين الحق والباطل، بين أئمة العدل وأئمة الجور.. وكما هي سنة الله التي لن تجد تحويلاً أو تبديلاً، فإن الحق هو المنتصر دوماً.‏

إيمان شبلي العيتاوي‏

الانتقاد/ مقالات ـ العدد 1191 ـ 1 كانون الاول/ ديسمبر 2006‏

2006-12-01